محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
463
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
منكر جاحد ، ولا يجوز أن يكون لنبيّ منازع ، والفرق بين الإنكار والمنازعة أنّ المنكر يجحد الفضل لغيره ولا يثبته لنفسه ، والمنازع يجحد ويدّعي الفضل لنفسه ؛ فالأنبياء - عليهم السلام - لا منازع لهم في دعواهم النبوّة ، وإن قد يوجد لهم منكر وجاحد . ولا تظنّن أنّ مسيلمة الكذّاب نازعه في النبوّة فأنكر نبوّته وادّعى النبوّة لنفسه ، بل ظنّ أنّه طالب ملك فكتب إليه : أمّا بعد ، فإنّ الأرض بيني وبينك نصفان . فأجابه النبيّ بأبلغ جواب : « أمّا بعد فإنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده » 561 ومن لا يعرف النبوّة ما هي ومن أين مصدرها وفي أيّ معدن مظهرها وإلى أيّ كمال غايتها كيف يمكنه دعواها والتحدّي بها على ما يجب أن يدّعي ويتحدّى ؟ ! وكذلك كلّ صنعة من الصناعات وكلّ علم من العلوم لا يدّعيها حقّ الدعوى من لم يكن أهلا لها مطّلعا عليها ، وكذلك كلّ نوع من أنواع الحيوانات لا يمكنه أن يظهر من نفسه ما لم يطبع عليه من خاصّية نوع آخر ؛ وكما أنّ حركات الإنسان كلّها - أعني حركاته الفكرية والقولية والعملية - معجزات لجميع الحيوانات ، حتّى لا يجد حيوانا ما يتحرّك تلك الحركات حقيقة وإن كان في نوع منها ضرب تشبّه كحركة القردة ونطق الطوطي 562 وفكر البوم ؛ فليس ذلك يقدح في إعجاز حركات نوع الإنسان ، كذلك حركات الأنبياء - عليهم السلام - فكرة وقولا وعملا معجزات لجميع نوع الإنسان ، حتّى لا تجد إنسانا مّا يتحرّك تلك الحركات حقيقة ، وإن كان في صنف منه ضرب تشبّه كتنبّي بعض المدّعين ، وتصنّع بعض المتصنّعين ، وتعمّق بعض المتعمّقين ؛ وفيهم نزل قوله تعالى : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً . وقولة من قال : سأنزل مثل ما أنزل اللّه . وقوله ولو نشاء قلنا مثل هذا ، وربّما نرجع إلى تقرير هذا الفصل في مواضع إن شاء اللّه . قوله - جلّ وعزّ - : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 93 ) النظم ومن تلك الآيات ( 202 آ ) التي احتجّ اللّه - عزّ وجلّ - عليهم والتكاليف التي وجّهها إليهم