محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
453
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
صواب ؛ وأنّ المسلمين قالوا : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، * فأصابوا في الأسماء الثلاثة . ولمّا كانت الروحانية ظاهرة على جسد عيسى ؛ إذ لم يذر في أصلاب ، ولا استقرّ في أرحام ، ولم يتردّد في أطوار الخلقة نطفة وعلقة ومضغة ، ولم يمكث في الرحم تسعة أشهر ، ولم يتعلّم الحروف والكلمات حين تكلّم في المهد صبيّا ، ولم تصل إليه أيدي الظّلمة حين طلبوه ليصلبوه ، بل شبّه لهم ورفعه اللّه إليه ، وكان مهبطه روحانيا ، ومتصرّفه في هذا العالم روحانيا ، ومصعده روحانيا ، قال : وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ بيانا لفضله وشرفه ، وتعبيرا عن خلقه وخاصيته ؛ وكما بشّر موسى بالنبيّين من بعده وبشّر ( 197 ب ) بعيسى - عليه السلام - كذلك بشّر موسى وعيسى بمحمّد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - في مواضع من التوراة إشارة إلى ذرّيّة إسماعيل - عليه السلام - ، وهو مكتوب في التوراة لم يغيّر ولم يحرّف ، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، وكان موسى - عليه السلام - يظهر احتياجه إلى بني إسماعيل في تعلّم العلوم التي خصّهم اللّه بها من أحكام التقدير . وقد قيل : إنّ العالم الذي ما صبر موسى معه كان واحدا من عمّال بني إسماعيل ؛ فلو صدّقت بنو إسرائيل موسى - عليه السلام - حقّ التصديق لأطلعهم على تلك الأنوار ، وأوقفهم على تلك الأسرار ، بل كانوا في حجاب ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ . قوله - جلّ وعزّ - : وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ ( 88 ) [ التفسير ] لمّا ذكر الربّ تعالى سبب تكذيبهم وقتلهم الأنبياء - عليهم السلام - أنّهم أتوهم بما لا تهوى أنفسهم عقّب ذلك بإقرارهم أنّ قلوبنا في غلاف وأكنّة ممّا يدعوهم إليه النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - ؛ إذ وجدوا في نفوسهم حجابا ومانعا ؛ فعبّروا عن ذلك بالغلاف تارة وبالأكنّة تارة ، وعبّر القرآن عنها بالختم تارة ، وبالطبع تارة ، وباللغو تارة . قرأ ابن محيصن والأعرج وابن عبّاس : غلف بضمّ اللام ، وقرأ الباقون بالجزم والتخفيف ؛ فمن خفّف فهو جمع الأغلف ، مثل حمر جمع الأحمر ؛ ومن قرأ غلف فهو جمع الغلاف .