محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

454

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

قال ابن عبّاس في رواية الوالبي وعطاء والضحّاك : قلوبنا غلف ، أي في أكنّة وعليها غطاء ؛ فليست تفهم ما تقول ؛ ونحوه قال مجاهد وقتادة والسدّي وابن جرير ، دليله قوله : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وقوله : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أي طردهم وأبعدهم من كلّ خير ، وحرمهم الرحمة والتوفيق . وقيل : اللعن التعذيب ؛ وكلّ لعن في القرآن بمعنى العذاب ؛ لعنه اللّه بمعنى أخزاه وأهلكه ، قاله النضر بن شميل ؛ فعلى هذا معناه أبعدهم عن رحمته تعذيبا لهم على كفرهم وسوء نيّتهم في طلب الرشد ، ولو نظروا وتدبّروا لأمنوا من اللعن . وقوله : بِكُفْرِهِمْ ، قال ابن عبّاس ختم اللّه عليها بالكفر واللعنة ؛ وقال : بكفرهم بك يا محمّد ! وبدينك . قال بعض أهل المعاني : « 1 » الباء في قوله : بِكُفْرِهِمْ قد يجوز أن تكون باء التعليل ، أي لعنهم بسبب كفرهم ؛ وقد يجوز أن تكون باء الإلصاق ، أي لعنه لهم عين كفرهم به ؛ و « بل » لا ينسق به في غير الجحد ، والجحد « 2 » هاهنا في المعنى لا في اللفظ ( 198 آ ) تقديره : وقالوا قلوبنا غلف وليس كذلك بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ؛ إذ لو كانوا طالبي الرشد وكانت لهم همّة الإيمان ونيّة طلب الحقّ لهداهم اللّه ، لكن لعنهم اللّه بكفرهم ؛ فأصمّهم وأعمى أبصارهم . ومن أهل المعاني من قال : « 3 » هؤلاء لم يعتقدوا أنّ قلوبهم غلف ، بل استهزأوا بالنبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - إذ قالوا : قلوبنا غلف ؛ فردّ اللّه عليهم ذلك الاستهزاء ؛ وهذا بعيد من سياق الآية ؛ ويدلّ عليه قوله تعالى في مواضع : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ ؛ وإنّما قالوا ذلك لأنّهم وجدوا قلوبهم كذلك . ومن ثقّل الغلف فهو جمع غلاف ، « 4 » مثل حجاب وحجب ، وكتاب وكتب ، ومعناه قلوبنا أوعية لكلّ علم ؛ فلا نحتاج إلى علمك وكتابك ؛ هذا قول ابن عبّاس « 5 » في رواية أبي صالح ورواية أبي روق عن الضحّاك عنه ، وهو قول عطية ورواية ابن أبي نجيح عن مجاهد ؛ وقال الكلبي : يريدون أوعية لكلّ علم ؛ فهي لا تسمع حديثا إلّا وعته إلّا حديثك لا نعقله ولا نعيه ، ولو كنت صادقا فيما تقول لعقلته وفهمته ، قال اللّه تعالى : ليس الأمر كما يقولون :

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني . ( 2 ) . في الهامش عنوان : النحو . ( 3 ) . في الهامش عنوان : المعاني . ( 4 ) . في الهامش عنوان : اللغة . ( 5 ) . في الهامش عنوان : التفسير .