محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
446
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
والنواهي ، وبيّن مخالفتهم ذلك كلّه أو بعضه ، وأبان عن سوء عاقبتهم وخزي مغبّتهم ، عبرة لمن استبصر واستبصارا لمن اعتبر ؛ إذ ليس ذكر ذلك حكاية حال دون اعتبار لأولي الأبصار ؛ فجمع الأوامر في ثماني خصال : أوّلها وأولادها عبادة اللّه وحده لا شريك له ، وكما أوجب عليهم « لا يعبدون إلّا اللّه » كذلك أوجب عليهم لا يطيعون إلّا رسول اللّه ؛ فإنّ عبادة اللّه هي طاعة رسول اللّه . قال اللّه تعالى : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وكما أنّ طاعة اللّه هي طاعة رسول اللّه كذلك طاعة أولي الأمر هي طاعة رسول اللّه ؛ فإنّما تتمّ طاعته بطاعة رسول اللّه ، وإنّما تتمّ طاعة رسول اللّه بطاعة أولي الأمر ، قال اللّه تعالى : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ . وليس كلّ ذي أمر على تغلّب واقتهار من جملة أولي الأمر ، بل الذي قرن طاعته بطاعة رسول اللّه لا يكون إلّا عادلا عالما بالحقّ هاديا دالّا إلى الحقّ ؛ وهو لا يخلو إمّا أن يكون موجودا في العالم فلم نتبعه أو موجودا مخفيّا فلم نطلبه أو مفقودا معدوما فلم نكلّف بطلبه واتّباعه ، لكنّ التكليف متوجّه بطاعة أولي الأمر كما هو باق بطاعة اللّه وطاعة رسول اللّه ؛ ولا يجوز أن يكون التكليف بطاعة الظالمين ، قال اللّه تعالى : وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ؛ فتعيّن القسمان الأوّلان وأكّدهما قوله تعالى عقيب الأمر بطاعته : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ، * وكما لا بدّ للإنسان من أبوين من حيث الخلق كذلك لا بدّ له من أبوين من حيث الأمر ، وكما وجب الإحسان بالأبوين من حيث الخلق والعطف عليهما والاسترواح إليهما وخفض الجناح لهما ، كذلك وجب الإحسان بالأبوين من حيث الأمر والإيمان بهما والتسليم لهما ، وإسناد الأمر إليهما ، والتوكّل في جميع الأحوال عليهما ، وأخذ الدين والشريعة منهما ، والتعزيز والنصرة لهما في ( 194 ب ) المبسط والمكره ؛ فرجع الأمر بالإحسان إلى الوالدين في الدين حقيقة واستمرّ القول فيهما ؛ فإنّ الدين إذا لم يجمع الوالد والمولود لم يجب الإحسان من كلّ وجه ، بل الواجب مصاحبتهما بالمعروف في أمور الدنيا واتّباع سبيل من أناب إلى اللّه في أمور الآخرة ؛ وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « إنّما أنا لكم مثل الوالد » 556 وقال : « أنا وأنت يا علي أبوا هذه الأمّة » 557 وكما أنّ الأبوين يبثّ منهما رجالا كثيرا ونساء في الخلق ، كذلك الأبوان في الأمر يزدوجان علما وتعلّما