محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
430
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
ومدّعي الحكمة ، ولا معانيهم توافق معاني الكتاب والسنّة ، فذلك هو كتابة الكتاب بأيديهم وتصنيف الكتب بآرائهم ، ثمّ هم يقولون : هذا دين اللّه ، وهذا من عند اللّه ، وهذا من رسول اللّه لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا ، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ولهم ثلاث ويلات : فويل لأنّهم كتبوا بأيديهم واستقلّوا بآرائهم ، وويل لأنّهم أضلّوا كثيرا وضلّوا عن سواء السبيل ، وويل لأنّهم اكتسبوا بها جاها وسيعا في الناس ومالا كثيرا من رعاع الناس . وقد قيل في الويلات الثلاث : ويل لمن غيّر منار الأرض ، وويل لمن حرّف وبدّل كلمات اللّه ، وويل لمن آوى محدثا وظاهر مبتدعا . ثمّ الويل كما جاء في التفسير واد في جهنّم أو صهريج في جهنّم يسيل إليه صديد الكفّار من النار ، فذلك مطابق لحالهم ؛ إذ قال : سال منهم إلى الأتباع صديد آرائهم الباطلة حتّى شربوا منه وارتووا ، كذلك يسيل إليهم صديد نفوس أتباعهم في النار يسقى كلّ واحد منهم من صديد نفوس أتباعه . ليس لهم طعام إلّا من ضريع ، لا يسمن ولا يغني من جوع . أعاذنا اللّه تعالى منها طعاما وشرابا ولا جعلنا من الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثمّ يقولون : هذا من عند اللّه حلالا وحراما . قوله - جلّ وعزّ - : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 80 ) النظم قد بيّن اللّه - عزّ وجلّ - أنّ اجتراءهم على اللّه تعالى في كتابة الكتاب ونسبته إلى اللّه ومحو الكتاب ، وافتراءهم على اللّه إنّما كان لسبب اعتقادهم أنّ النار لا تمسّهم إلّا أيّاما معدودة ؛ فلا خلود في النار ، وما هو إلّا مسّ النار وحرارتها . ففي الزمان أيّامه معدودة ، وفي الدخول في النار مسّها « 1 » خفيف .
--> ( 1 ) . س : ما .