محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

401

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أي أعتصم باللّه « 1 » أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ؛ لأنّ الخروج عن سؤال السائل بالهزء جهل ؛ فاستعاذ موسى منه ؛ لأنّ ذلك وصف لا يليق بأخلاق الأنبياء ؛ ولمّا قال ذلك علموا أنّه جدّ من اللّه تعالى . قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ * أي سله ، وقرأه ابن مسعود : سل لنا ربّك ، في القصّة كلّها ، ولو قال : « 2 » فقالوا ادع لنا ربّك لكان حسنا كما بيّنّاه . قال المفسّرون : « 3 » كانت القصّة في ذلك أنّ رجلا من بني إسرائيل كان كثير المال ولم يكن له ولد ، وكان له قريب يرثه قيل : إنّه أخوه ؛ وقيل : ابن أخيه ؛ وقيل : ابن عمّه ؛ فاستبطأ موته ؛ فقتله سرّا وألقاه في موضع بعض الأسباط ، وادّعى قتله عليهم ؛ فاحتكموا إلى موسى . قال عطاء : كان في بني إسرائيل رجل كثير المال وله ابن عمّ مسكين ( 175 آ ) لا وارث له غيره ؛ فلمّا طال عليه موته قتله ليرثه ؛ رواه عن ابن عبّاس . وروى السدّي عن أبي مالك وأصحابه قالوا : كان رجلا مكثرا وكانت له بنت وابن أخ محتاج ؛ فخطب إليه ابنته ؛ فأبى أن يزوّجه ؛ فقتل عمّه غيلة في بعض الأسباط ، ثمّ ادّعى على ذلك السبط وقال : قتلتم عمّي ، وجعل يبكي ويحثي التراب على رأسه ويقول : يا عمّاه ! فقضى موسى عليهم بالدية ؛ فقالوا : يا نبيّ اللّه ! إنّ ديته علينا لهينة ولكنّا نستحي أن نعيّر به ؛ فادع اللّه لنا يبيّن لنا من قاتله . قال لهم موسى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ؛ فيبيّن لكم بها أمر القتيل . قالوا : أتهزأ بنا ؟ قال : أعوذ باللّه . وروى الكلبي عن ابن عبّاس ، قال : إنّ بني إسرائيل قيل لهم : أيّما قتيل وجد بين قريتين لا يدرى من قتله ؛ فيقاس إلى أيّهما هو أقرب ، ثمّ يؤخذ أهل تلك القرية جميعا ، فإن علموا قاتله قتلوه به ، وإن لم يعلموا قاتله أخذوا خمسين شيخا من شيوخ القرية ، ثمّ يأخذون بقرة ؛ فينطلقون بها إلى وادي كذا ، ويذبحونها بالوادي ، ويضع الشيوخ أيديهم عليها ، يحلفون باللّه إنّهم ما قتلوه ولا علموا قاتله ؛ فيرتفع عنهم القصاص ، وتجب الدية ، وذلك حكمهم في التوراة ، قال : فعمد رجلان من بني إسرائيل إلى ابن عمّ لهما اسمه عاميل ؛ فقتلاه لكي يأخذا

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني . ( 2 ) . في الهامش عنوان : القراءة . ( 3 ) . في الهامش عنوان : القصة .