محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
383
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ . فمن طلب الآيات والمعجزات كفروا بآيات اللّه ربّهم وعصوا رسله ، وجرّهم ذلك إلى الإنكار على حركاته في أوامره وزواجره ونصوصه وبيّناته ؛ فلم يصدّقوه حقّ التصديق ولم يحكّموه على التحقيق ؛ فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ؛ فأدّى بهم إلى إنكار الوصاية ، والمدافعة على الإمامة والخلافة ، وتأدّى بهم بعد ذلك إلى قتال الوصيّ وقتله ، واستحلال دماء أبناء أنبياء اللّه ، وقتلهم بغير حقّ ، ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ من قبل . فمن والاهم في آخر الزمان ورضي بفعالهم كان كمن باشر القتل وسبّب لهم أسباب ذلك في أوّل الزمان ؛ وكما أنّ للحقّ مصادر ومظاهر تعرف بها مباديه وكمالاته كذلك للباطل مصادر ومظاهر تعرف بها مباديه وغاياته ، اعرف الحقّ تعرف أهله ، واعرف الباطل تعرف من أراده . وسرّ آخر : أنّ مثال المنّ والسلوى ووزانه في الأمّة الأخيرة : الكتاب والسنّة . والغمام الذي يظلّهم : لا إله إلّا اللّه ؛ والعيون التي فجّرت لهم : محمّد رسول اللّه . فلم يرضوا بما أنعم اللّه عليهم من الكتاب والسنّة والتوحيد والنبوّة حتّى قالوا : لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فاستبدلوا الأدنى بالأعلى ، واشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا ، وهي الآراء الفاسدة القاتلة والأهواء المغوية الباطلة ، أنبتت بها نفوسهم المظلمة وعقولهم الزائغة ، وهي خمسة أنواع يقولها المتكلّم : الأصول الخمس في الاعتقادات ، والمنطقي : الأشكال الخمسة في القياسات ، والطبيعي : الطبائع الخمس في الطبيعيات ، والإلهي : العلل الخمس في الإلهيات ؛ وهي : بقلها وقثّاؤها وفومها وعدسها وبصلها ؛ ولكلّ خمس تفصيل ، وتكون نسبتها ( 167 آ ) إلى الكتاب والسنّة والتوحيد والنبوّة نسبة نبات الأرض إلى المنّ والسلوى وظلّ الغمام وتفجير الأنهار ؛ وكما أنّ المؤمن يأكل في معاء واحد كذلك يصبر على طعام واحد ، ويكفيه القليل ؛ وكما أنّ المنافق يأكل في سبعة أمعاء كذلك لا يصبر على طعام واحد ، فيريد أن يزاد له على المنّ والسلوى خمسة ممّا تنبت الأرض فيأكل في سبعة أمعاء . وسرّ آخر : أنّ المعقولات تؤتى من باب واحد وهو العقل ، عقل عاقل عقل عن اللّه أمره ؛ والمحسوسات تؤتى من خمسة أبواب : السمع والبصر والشمّ والذوق واللمس ؛ وهذه أدنى من المعقول وهو خير ، ولا يجوز أن يستبدل الأدنى بالذي هو خير ، ومن رضي بالأدنى من