محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
379
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
موسى - عليه السلام - ومنهم من قال : إنّه إخبار عن الذين هم في عهد النبيّ ويجوز أن يكون الذلّ والمسكنة لازمين لهم أين كانوا وفي أيّ وقت كانوا ، وذلك أنّ أثر البؤس ظاهر في وجوههم ؛ وقيل : ألزموا ذلّ الكفر وفقر القلب فلا يرى في الملك أذلّ منهم ولا أحرص على المال ، وذلك لعلم اللّه فيهم أنّهم يقتلون الأنبياء ويفعلون ما يفعلون ، فقد بقي أثر المعاصي في وجوه الأبناء والأعقاب ؛ وهذا قول الكلبي وإليه مال ابن الأنباري من أهل اللغة ؛ لأنّه قال : وضربت عليهم الذلّة والمسكنة منسوق على محذوف دلّ الكلام عليه وتقديره : « 1 » اهبطوا مصرا فهبطوا وعثوا وأفسدوا وضربت عليهم الذلّة ، وهو اختيار أبي بكر النقّاش . قال القفّال : فما زالوا يفسدون في البلاد المقدّسة ويعتدون في دينهم حتّى أنزلنا عقوبتنا ؛ فخرب بيت المقدّس ، وجرى عليهم السبي ، وتبدّد نظامهم وتشتّتوا غربا في الأرض ؛ فلم يبق لهم ملك ولا رئاسة ؛ فضربت عليهم الذلّة ؛ لأنّ من لا مملكة له ولا جماعة يعتزّ بعضهم ببعض بالتظاهر والتعاون على إحياء الدين وحفظ الحريم ودفع العدوّ فهم أذلّاء ؛ وكلّ واحد منهم ذليل لا مفزع له كالغنم الذي لا راعي له ؛ وهذا فصل حسن لكنّه بعيد من ( 165 آ ) سياقة الكلام . وضربت عليهم المسكنة ، أي صاروا بحالة يرحمون [ معها ] لتقاعد الحال بهم واستضعاف الناس إيّاهم ، وصاروا إلى الفقر والفاقة حتّى عدّوا مساكين بعد أن كانوا ملوكا . ثمّ لم يزل اليهود في تناقص من العزّ وإدبار من الحال حتّى جرى عليهم سبي بابل وخراب بيت المقدس مرّتين ، تفرّقوا في البلاد وصار فرقة منهم إلى الحجاز ففرّقها اللّه على [ يد ] مؤمنين ، وجرى عليهم القتل والسبي والجلاء ، وصار أهل خيبر أرقّاء المسلمين أكرة ، ثمّ أجلاهم عمر في زمانه . قال : فأيّ ذلّ أشدّ من هذا وأيّ مسكنة أبلغ منها ؟ ! وصار دينهم إنّما يؤخذ عن الأفراد ، فلم يبق لأصل دينهم خبر متواتر يحكم له بالصحّة . هذا قوله في تفسير : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ . وقال الحسن وقتادة والضحّاك : « 2 » المراد بضرب الذلّ والمسكنة عليهم أخذ الجزية منهم . قال عطاء بن السائب : ضرب الذلّة هو الكسنيخ وزيّ اليهودية ، والمسكنة هو زيّ البؤس .
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني . ( 2 ) . في الهامش عنوان : التفسير .