محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
380
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
فترى الغني منهم يتزيّا بزيّ الفقير مخافة أن يضاعف عليهم الجزية ، وهذا يدلّ على أنّ هذا الأثر ظهر على المتأخّرين منهم ؛ لأنّهم قبل الإسلام لم يعطوا الجزية ولم يوسموا بالعناد ، قاله الواحدي : « 1 » وهذا القول أشبه وأولى . وقال بعضهم : بالجملة إنّ ضرب الذلّ والمسكنة عليهم إن أريد به الزينة الظاهرة قد سلبت عنهم فهو على خلاف ما يرى منهم ، بلى إن أريد به فقر القلب ووضع الجزية فيكون عامّا في كفّار اليهود ؛ ومن يتتبّع سياق الآية ولم يقطع نظام الكلام عرف أنّ قوله تعالى : اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ ليس على وجه الرضا منهم ، وإجابتهم إلى ما سألوا ليس إجابة تشريف ؛ إذ قد سبق قوله : أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، بل إجابة السؤال على جهة التوبيخ والتعيير ؛ وضرب الذلّة والمسكنة عليهم إنّما كان لذلك السؤال ، ولقولهم : لن نصبر على طعام واحد ؛ فعاقبهم اللّه تعالى على ذلك التعدّي ، ثمّ أبقى الهوان والذلّ في أعقابهم حتّى كانوا أذلّاء في كلّ زمان ، ممتحنون بالقتل والسبي وضرب الجزية والجلاء وذهاب الملك والنبوّة منهم إلى شعب آخر . قوله : وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي رجعوا « 2 » في قول الكسائي والفرّاء ( 165 ب ) ؛ وقال أبو عبيدة والزجّاج : أي احتملوا ؛ وقال ابن عبّاس وسعيد بن جبير : استوجبوا ؛ وقال أبو روق : استحقّوا ، وعلى هذا الباء صلة ؛ وقال الزجّاج : بؤت بهذا الذنب ، أي احتملته ؛ وفي الدعاء : أبوء بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي . والغضب إرادة الانتقام ثمّ يحمل على نفس العقوبة ؛ لأنّها تصدر عنها ؛ وقوله : ذلِكَ إشارة إلى ضرب الذلّ والمسكنة والغضب . قال الكلبي : غضب اللّه عليهم لقتلهم الأنبياء ثمّ غضب عليهم لتكذيبهم محمّدا - صلّى اللّه عليه وآله - وقال أيضا : فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ رجعوا باللعنة على أثر اللعنة ؛ وقيل : رجعوا بعد الموت إلى اللّه وهو عليهم غضبان . قوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ، قال ابن عبّاس في رواية عطاء : يعني القرآن ، ونحوه قال مقاتل ؛ وقال غيرهما : آيات اللّه في التوراة من صفة النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - وآية الرجم والإنجيل بعدها والقرآن بعده وآيات التوحيد .
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني . ( 2 ) . في الهامش عنوان : اللغة .