محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
371
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
لا يتعذّر على اللسان نطقه ، ولا يشقّ على العقل والحسّ قبوله ، والتعرّض لعذاب اللّه تعالى بذلك حتّى يأخذهم الرجز من السماء ، وينسبون إلى الفسق فممّا ينبو عنه الطبع ولا ينقاد له السمع . ثمّ الحطّة لفظة عربية ؛ فإن كانوا مكلّفين بصورة اللفظ فمن أين كانوا يعرفون العربية ؟ ! وإن كانوا مكلّفين بمعناه فالمعنى هو الاستغفار وحطّ الذنوب ، فمن الذي يستغني عن اللّه على حال ؟ ! وكذلك دخول الباب سجّدا ، إن كان سجدا لغيرهم أو لشيء مّا غير اللّه تعالى فلعمري كان يتعذّر عليهم تكليفه كما تعذّر على اللعين الأوّل . لكن المفسّرين يقولون : هو مجرّد الانحناء من غير أن يكون فيه توجّه إلى أحد . فذلك أسهل من قول حطّة . لا وحقّ القرآن إنّهم ما أخذوا العلم من معدنه ، ولا أتوا بيت اليقين من بابه . إنّه لمّا مات هارون - عليه السلام - منتقلا إلى رحمة اللّه تعالى ( 161 ب ) وكان له ابنان كريمان كأنّهما اللؤلؤ والمرجان اسمهما شبير وشبر ، وكان النصّ على هارون - عليه السلام - إذ كان شريكا لأخيه موسى - عليه السلام - في الرسالة حيث قال : وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي وما استخلف على قومه أحدا بعد غيبته إلى الميقات إلّا هارون ، وكان النور مشتركا والرسالة مشتركة والنصّ عليه قائما ؛ فلا يرجع عنه قهقرى إلى غيره . أراد موسى - عليه السلام - أن ينصب مستودعا هو نائبه عليهم وبابهم إليه ، وتقرّر عندهم أنّ من أراد بيت قدس النبوّة فليدخل ذلك الباب المعيّن مطيعا سامعا ؛ والباب رجل من الرجال سمّي باب حطّة ؛ لأنّ من دخله حطّ عنه أوزار الذنوب ؛ فليدخله فعلا وليقرّ به قولا ؛ فيكون تسليما للأمر قولا وفعلا ؛ فلم يرضوا بحكمه ، ولم يدخلوا الباب سجّدا مطيعين لأمره ، وبدّلوا القول - يعني النصّ الوارد عليه - تعسّفا وطلبا للرئاسة ، وكان ذلك ظلما منهم على صاحب الحقّ ، وفسوقا وخروجا عن أمر صاحب الأمر ؛ فاستوجبوا بذلك الرجز من السماء بما كانوا يفسقون ؛ ولك أن تطبق الحال على الحال ، وتوازن المقال بالمقال ، في هذه الأمّة وذلك علم الرجال .