محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

349

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

للنعم التي أنعمت عليّ ؛ فقويت بها على معصيتك . » فمن قوي بالنعمة على معصية المنعم فقد كفر كفرانا ، ومن قوي بها على الطاعة للمنعم فقد شكر النعمة شكرا ، وإنّما قال : مِنْ بَعْدِ ذلِكَ على الوجدان . « 1 » [ الأسرار ] قال المعتبرون بقصص القرآن : لمّا انقضى دور الكفر والشرك ابتدأ دور النفاق ، وهكذا سنّة اللّه تعالى في المكلّفين من عباده ، يكلّفهم بواسطة النبيّ ، ليظهر بدعوته المسلم من الكافر ، ويكون المنافق في زمانه مستورا بستر الشرع ، ثمّ يكلّفهم بواسطة الوصيّ ، ليظهر بإمامته المؤمن من المنافق ، ويصير المنافق بفعله وقوله مرفوع الستر ، لأنّ النبيّ صاحب التنزيل وله حكم المشابهة ، والوصيّ صاحب التأويل وله حكم المباينة ؛ وعلى النبيّ أن يطلب المستجيب فيدعوه إلى اللّه ويهديه إلى سواء السبيل ، وعلى الوصيّ أن يجلس في بيته جلوس هارون - صلوات اللّه عليه - حتّى يطلبه من هدي بالنبوّة إليه ، وليس على القاضي أن يطوف على الأبواب ويدعو الناس إلى التحاكم إليه ، بل عليهم رفع الحكومات إليه ؛ فإن جلس ذلك الرجل في بيته فبسنّة هارون - عليه السلام - إذ قيل في حقّه : « أنت عندي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي . » 529 وسرّ آخر : من شدّة مشابهات المنافق بالمؤمن أن قال السامري : بصرت بما لم يبصروا به أي أبصرت جبريل ولم تبصروه ، وبصرت بحال مركبه أنّه فرس الحياة ولم تبصروا به ، وأخذت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ، وكذلك سوّلت لي نفسي . فما أخذتم أنتم ، ولا نبذتم ولا سوّلت لكم أنفسكم ، أي علمت بالجملة علما مستفادا من الآثار الروحانية لمناسبة بيني وبينهم في الشيطانية التي ترى أنّها روحانية ، وذلك غاية المشابهة . فذهب مذهب مسترق السمع ومزلق العين ، وشبّه الشبهة بالحجة ، والباطل بالحقّ ، والشيطان بالملك ، والظلّ بالشخص ؛ فسبقت فراسته الوحي وهي متأخّرة ، وأضلّ قوما بالعجل وهو ضالّ ،

--> ( 1 ) . في هذا الموضع من المخطوط تفسير لمقطع من الآية 54 ذكره المفسّر هنا خطأ وهو : « وقال بعده : ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ ، وقد عرفت أنّ ذا مبهم ؛ فتارة تجمع على الأصل في مخاطبة ( 151 ب ) الجميع وتارة توحّد على مشاكلة اللفظ إذا كان لفظ المبهم على الواحد وإن كان المعنى للجميع . »