محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
343
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وفي حديث عمرو بن ميمون قال : لمّا بلغ فرعون خروجهم قال : لا تتّبعوهم حتّى يصيح الديك . فقال : واللّه ما صاح ليلته ديك حتّى أصبحوا ؛ فدعا بشاة ، فذبحها ؛ فقال : لا أفرغ من كبدها حتّى تجتمع إليّ ستّمائة ألف من القبط ؛ فاجتمعوا ثمّ سار ؛ فلما أتى موسى البحر قال له يوشع بن نون : أين أمرك ربّك ؟ قال : البحر . فأقحم فرسه في البحر حتّى بلغه الغمر ؛ فرجع وقال : واللّه ما كذبت ولا كذّبت . ففعل ذلك ثلاث مرّات ؛ فأوحى اللّه تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك . قال ابن عبّاس « 1 » فقوله : وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ أي فرعون وقومه ؛ لأنّه قال : فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً وقال : وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ أي موسى وهارون . وقوله : وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ، قال ابن عبّاس في رواية الكلبي : لم ينظروا إليهم حين غرقوا ولكنّهم أخرجوا لهم ، فنظروا إليهم . قال الضحّاك : وأنتم تنظرون على الساحل كيف غرقوا . وقيل : ( 149 آ ) معناه وأنتم تعلمون ؛ وذلك هو نظر القلب ؛ والخطاب لمعاصري النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهذا قول مقاتل . وقيل : معناه وأنتم بالقرب منهم حيث تواجهونهم ، حكاه ابن الأنباري . الأسرار قال المتوسّمون لآيات اللّه : إنّ فلق البحر من المعجزات الكبار لموسى - عليه السلام - والنعم الجسام على بني إسرائيل ، والآيات الفعلية إذا كانت خارقة للعادات خارجة عن قدر المخلوقات سليمة عن المعارضات كانت من أوّل الدلائل على النبوّات ، ووراءها في هذه الشريعة من الآيات القولية هو القرآن ؛ فإنّه بحر لا يدرك غوره ولا يلحق قعره ولا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه ؛ وكما فرق البحر لموسى وبني إسرائيل كذلك فرق القرآن للمصطفى وأمّته المؤمنين ؛ فقال : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ ، وكما كان فرق البحر بأن قال : اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ كذلك كان فرق القرآن بأن قال : وَأَنْزَلْنا
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير .