محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

313

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الأسرار قال الشاكرون لنعم اللّه الموفون بعهد اللّه : أصل الدين وأساسه خلّتان اثنتان هما الأصلان والأساسان شكر النعمة والوفاء بالعهد ؛ وبالضدّ من ذلك أصل الكفر وأساسه كفران النعمة ونقض العهد ؛ وأحقّ النعم بالشكر وأعمّها نفعا للخلق وأخصّها درجة عند الحقّ نعمة النبوّة ؛ وأحقّ العهود بالوفاء وأعمّها نفعا للخلق وأخصّها درجة عند الحقّ عهد الإمامة . قال اللّه تعالى : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وذلك إشارة إلى نعمة النبوّة التي أنعم اللّه بها عليهم ؛ إذ جعل إسرائيل مهبط أنوار النبوّة وأجراها في أولاده الأسباط ، وجمع لهم بين النبوّة والملك ؛ فجعل فيهم أنبياء وجعلهم ملوكا ؛ فربّما كان يجري النبوّة في شعب وقوّة الملك في شعب كما في إشموئيل وطالوت ، وربّما كان يجتمع نور النبوّة وقوّة الملك في شعب أو شخص كما في يوسف وموسى وداود وسليمان . ثمّ كان بين كلّ نبيّ ونبيّ جماعة حكمهم حكم الإمامة في هذه الأمّة ؛ ولا « 1 » تكون النبوّة جارية فيهم والوحي واردا عليهم ، لكنّهم في حكم صاحب الشريعة الأوّل « 2 » ، وأحكامهم بعينها أحكام الكتاب المنزل ، لا يتعدّون حدود اللّه ، ولا يحكمون بغير ما أنزل اللّه ، ولا يحرّفون كلمات اللّه ، كما قال تعالى خبرا عنهم : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ . أقوالهم هداية بالحقّ ، وأفعالهم عدل بالحقّ ، يوفون بعهد اللّه من بعد ميثاقه ، ويصلون ما أمر اللّه به أن يوصل ؛ والعهد عهد الإمامة في قوله : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ولذلك يسمّى الوصيّ والإمام وليّ العهد ؛ فشكر النعمة الاعتراف بالنبوّة : يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها باتّفاق المفسّرين محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - والوفاء بالعهد وصل القول : وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ وصلة رحم النبوّة بالإمامة ؛ فمن عرف نعمة اللّه ثمّ أنكرها وكفرها فهو كافر ؛ ومن نقض عهد اللّه من بعد ميثاقه وقطع ما أمر اللّه به أن يوصل فهو منافق ؛ ومن أراد أن يبرأ من الكفر ويخلص من النفاق فليذكر نعمة اللّه بالنبوّة وهو مسلم ، وليوف بعهد اللّه في الإمامة وهو مؤمن . ثمّ نعمة اللّه تنزيل الكتاب ، وعهد اللّه تأويل الكتاب ، وقال - عليه السلام - : « فمنكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله ، ألا وهو خاصف النعل 516 » .

--> ( 1 ) . س : الأمة ربما . ( 2 ) . س : شريعة الدور .