محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
308
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
صاحب الكمال ليمتاز حال صاحب الكمال عن حال صاحب المبدأ ويغسل صاحب المبدأ بماء المعبود لغفران الخطايا ؛ فالدنيا إذا مبدأ والآخرة كمال ، ومن لا مبدأ له لا كمال له ؛ والدنيا مزرعة والآخرة مرفعة ، وما لم تزرع البذر كيف ترفع الريع ؟ ! والدنيا جسر إلى الآخرة ؛ وكانت الدنيا مهبطا لآدم ومستقرّا ومتاعا إلى حين ، وكانت الآخرة مصعدا لذرّيّته الطاهرين وأتباعهم المؤمنين ، ودار قرار ومعين ؛ فهذه اثنتا عشرة حكمة جرى بها القلم وهي مبتنية على قواعد متينة ولا يعقلها إلّا العالمون . قوله - جلّ وعزّ - : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 40 ) النظم إنّ اللّه سبحانه لمّا استوفى في حال آدم وقصّته ، وجعلها معيارا وميزانا لحال من بعده ، وكانت اليهود في إنكارهم نبوّة المصطفى - صلوات اللّه عليه وآله - أشبه حالا بإبليس في إنكاره سجود آدم بخلافته ، صرف الخطاب إلى بني إسرائيل وذكّرهم النعم التي أنعم بها عليهم ، وهو ما ذكّرهم موسى - عليه السلام - حين قال ( 134 آ ) : اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وكانت النعمة هي النبوّة والملك وبهما فضّلوا على العالمين . [ التفسير ] قال أهل التفسير : يعني يا أولاد يعقوب وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام - وإسرائيل هو يعقوب ، وهو اسم عجمي لا اشتقاق له ؛ وقد قيل : « الإسرا » الخالص من كلّ شيء ، و « إيل » اسم اللّه ؛ فمعناه صفوة اللّه . وعن ابن عبّاس قال : معنى إسرائيل عبد اللّه كما قيل في جبرئيل : إنّه عبد اللّه . وقيل : معناه قائد اللّه ؛ وقيل : إنّما سمّي إسرائيل لأنّه كان يسري بالليل خوفا من أخيه عيص ، وقصّته أنّهما كانا توأمين ؛ فزاحمه عيص في الرحم ؛ فخرج قبله ؛ وخرج يعقوب