محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

309

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

آخذا بعقب عيص ؛ فسمّي يعقوب لما أخذ بعقبه ؛ وسمّي عيص عند الخروج ؛ وعاص وعصي متقارنان في الاعتلال ؛ وكان عيص أحبّهما إلى أبيه ويعقوب أحبّهما إلى أمّه ؛ وكان عيص صاحب صيد ويعقوب صاحب ماشية ؛ فلمّا كبر إسحاق وعمي قال لعيص : يا بنيّ ! أطعمني من لحم الصيد ، واقترب منّي أدع لك بدعاء دعا لي أبي ، وأعطيك وصيّة النبوّة ، وكان عيص رجلا أشعر ، وكان يعقوب أجرد . فخرج عيص في طلب الصيد ؛ فقالت أمّ يعقوب : يا بنيّ ! اذهب إلى الغنم فاذبح منها شاة ثمّ اشوها وألبس جلدها وقدّمها إلى أبيك ؛ فمسّه ؛ فقال : المسّ مسّ عيص والريح ريح يعقوب . فقالت أمّه : هو ابنك عيص فادع له . قال : فقدّم طعامك ؛ فقدّم ، فأكل منه ، ثمّ قال : ادن منّي ؛ فدنا منه ، فدعا له أن يجعل في ذرّيّته النبوّة والملك ؛ فذهب يعقوب وجاء عيص ، فقال : قد جئتك بالصيد الذي أردت . قال إسحاق : يا بنيّ ! قد سبقك أخوك ؛ فغضب لما علم الحال ، وأقسم باللّه ليقتلنّه . فقال إسحاق : لا تغضب يا بنيّ ! فقد بقيت لي دعوة مستجابة ، فهلمّ أدع لك بها ؛ فدنا منه ؛ فدعا له بالملك وذرّيّته للروم ، وأن يجعل ذرّيّته عدد التراب ، وأن لا يملكهم أحد غيرهم ؛ وقالت أمّ يعقوب ليعقوب : يا بنيّ ! ألحق بخالك لابان ببابل « 1 » وأقم عنده حتّى لا يقتلك أخوك . فانطلق إلى خاله وتزوّج ابنته ليا ، ثمّ ابنته راحيل وكان يسري بالليل ويختفي بالنهار فسمّي إسرائيل . وفي القصّة إشكال ؛ إذ يقال كيف انصرفت مثل هذه الدعوة والوصيّة على عظم شأنها بتغرير امرأة ؟ ! وكيف ذهب على مثل إسحاق ذبيح اللّه حتّى صرف الدعوة إليه على جهالة ؟ ! وكيف يجوز الغلط على تقدير اللّه في مثل ذلك ؟ ! فيقال : إن كانت القصّة ( 134 ب ) صحيحة فالوجه أن يقال : إنّ اللّه تعالى قد يعطي النساء معرفة بأحوال نطف الأرحام وما يظهر عليهنّ من طهارة النطفة ونور السلالة كما ألهم امرأة عمران حتّى قالت : إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ، وكما ألهم مريم حين خرجت إلى الربوة ، وكما أوحى إلى أمّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ . وللتقدير سرّ في الأرحام عجيب ؛ فلعلّ أمّ يعقوب كانت أعرف بحال نطفة يعقوب وحال رضاعه وطفولته وما تراه من النور النبوي فيه ؛ فخافت أن يحمل إسحاق حبّه لعيص على

--> ( 1 ) . س : لبان بن يامير .