محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

307

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

[ 8 . ] ومنها أنّ التكاليف امتحانات ، والامتحان قد يكون ليعلم من لا يعلم ، وقد يكون ليظهر ما قد علم ؛ فيعلمه من لم يعلم ؛ وهي في الحقيقة تمحيصات واستخلاصات ، وبالامتحان يكرم الرجل أو يهان ، وعند الاختبار تظهر خبيّة الأسرار ، وفي دار المحنة والبلاء يمتحن الرجل ويبتلى لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ . [ 9 . ] ومنها أنّ الجنّة كما كانت موعد الأبرار كذلك النار كانت موعد الفجّار ؛ فخلق الجنّة وخلق لها أهلا ، وخلق النار وخلق لها [ أهلا ] ، وكما لم تقتصر الجنّة على شخص واحد هو آدم - عليه السلام - بل عمّت ذرّيّته الطاهرين وأتباعهم من المؤمنين كذلك لم تقتصر النار على شخص واحد هو إبليس - لعنه اللّه - ، بل عمّت ذرّيّته الخبيثين وأتباعهم من الكافرين ؛ فلو لا هبوط آدم إلى الأرض لما عمّت النار لأهلها . [ 10 . ] ومنها أنّ الحقّ له كونان : كون في الأوّل وكون في الآخر ؛ وإنّما تكون قوّته في الآخر وضعفه في الأوّل ؛ والباطل له كون واحد وهو الأوّل وقوّته في الكون الأوّل ، ( 133 ب ) وكانت قوّة إبليس على إزلال آدم في الأوّل وقوّة آدم على إزلال إبليس في الآخر ؛ وإنّما أهبط إلى الأرض ليحصر اللعين في النار ، وقد قرب ميعاد الحصر له والنار موعده ، وقرب ميعاد النصر لآدم والجنّة موعده ، ودليل قرب الميعادين والموعدين أخذ النطق منه ؛ إذ كان ينطق على لسان أوليائه بإنكار أولياء اللّه في قولهم : إنّا لا نحتاج إليهم في المعارف ؛ فصار نفس الإنكار إقرارا ونفي الحاجة إليهم إتيانا ، وصار السكوت أولى بهم ؛ والوقوف أحرى بهم ، فاليوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم ، فيعتذرون ؛ وكما سلب الحركات القولية عنهم ، فنصر من اللّه وفتح قريب حتّى سلب الحركات الفعلية منهم ؛ فيحشرون حول جهنّم جثيّا . [ 11 . ] ومنها أنّ الحقّ والباطل على التضادّ ، وفي الحقّ ترتّب ، أعني عالم ومتعلّم وكامل ومستكمل ، والمبدأ للمتعلّم المستكمل ، والمعاد والكمال للعالم الكامل ، وكما كان آدم - عليه السلام - على المبدأ وكان مبتدئا كان المصطفى - صلوات اللّه عليه وآله - على الكمال وكان منتهيا . [ 12 . ] ومنها لو كان آدم في الجنّة باقيا على طهارته كان هو المبدأ وهو الكمال ؛ فأخّرته الخطيئة على مدّته ليمتاز حال صاحب الكمال ويظهر الترتّب بين الصاحبين كما ظهر التضادّ بين الخصمين ، وغفر ما تقدّم من الذنب وما تأخّر في حقّ