محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

306

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

[ 1 . ] منها أنّ التكريم بالخلافة كان موعودا له في الأرض لا في الجنّة ؛ إذ قال تعالى : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً . [ 2 . ] ومنها أنّ الأرض موضع التوالد والتناسل ، والجنّة دار القرار ، وأهلها لا يتوالدون ، بخلاف الأرض فإنّها دار التوالد ؛ فأراد اللّه تعالى أن تكون له ذرّيّة طيّبة ؛ فيكون حكمهم في الخلافة إلى يوم القيامة حكم آدم - عليه السلام - . [ 3 . ] ومنها أنّ التكليف بدار العمل أولى منه بدار الجزاء ، وكان مقام آدم في الجنّة عارية ، والتكليف فيها نادرا ؛ فأهبط إلى دار التكليف ، ثمّ ردّ إلى دار الجزاء ليحسن الترتيب في تقديم ما قدّم وتأخير ما أخّر . [ 4 . ] ومنها ليبني دارا في الدنيا مثل الجنّة في الأعلى وهي الشريعة والأحكام ؛ فتكون المطابقة بين العمل والجزاء ظاهرة ، وليستدلّ بالدين والشريعة على العالم الروحاني ، وليردّ المفروغ في المستأنف وليظهر ( 133 آ ) التقدير بالتكليف . [ 5 . ] ومنها أنّ الرسالات والكتب والهدى والبيّنات تنزّل إلى العالم الجسماني ، فيتلقّاها أشخاص الكمال ، وتظهرها خبايا الأسرار في الرجال ، وهي أشرف من تحف الجنّة ، وألطف من الأنهار الجارية فيها والأشجار المثمرة الدانية قطوفها . [ 6 . ] ومنها أنّ الجنّة كانت مخلوقة لآدم - عليه السلام - وما كانت لشخص واحد من أشخاص النوع ، بل للذرّيّة الحاصلة من أصل النوع ؛ فأهبط إلى الأرض ليحشر من التراب ذرّيّة طيّبة ويصعد بهم إلى الجنّة ، ليتمتّعوا بنعيمها ، ولا تتعطّل الجنّات عمّن لا يتنعّم بها ولا يتلذّذ فيها . [ 7 . ] ومنها أنّ الحكمة الربّانية تقتضي أن لا يتعطّل في الوجود شيء وإن كان خسيسا ، وترى الروث يخلق منه الخنفساء ، ويحرص على جمعه والتغذّي به لئلّا يضيع في الوجود شيء ؛ ولقد كان في التراب قوّة استعدادية لأن يصير مادّة للسلالة ثمّ النطفة ثمّ العلقة إلى خلق الإنسان ؛ فكما خلق منه قالب النفس الإنسانية في الابتداء كذلك تخلق منه الذرّيّة على أطوار الخلقة في الدوام ، ولا يضيع في الوجود شيء ، ولا تقوم القيامة وفي الأرض ذرّة صالحة لاحتمال النفس الإنسانية القابلة لأمر البارئ تعالى .