محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

254

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

[ الأسرار ] قال الذين أوتوا العلم والإيمان في كتاب اللّه : إنّ أوّل خطاب خاطب اللّه تعالى به ملائكته المقرّبين - عليهم السلام - خطاب تكليف وامتحان هو خطاب الاستسلام لخلافة آدم - عليه السلام - وأوّل خليفة للّه تعالى في الأرض هو آدم أبو البشر على مبدأ دور الكشف ليظهر به أوامره وأحكامه ، وينكشف به وبذرّيّته الطاهرين آياته وأسراره . فأخبرهم أوّلا بأنّي جاعل في الأرض خليفة ، ثمّ أمرهم ثانيا بأن اسجدوا لآدم ، وكان الإخبار تعريفا والأمر تكليفا . ثمّ إنّ الملائكة تعجّبوا عند خبر التعريف فقالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ تعجّبا في ضمنه إعجاب بأعمالهم . وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ . فلم يكن منهم التسليم خالصا كلّ التسليم حتّى أظهر فضله - عليه السلام - عليهم ؛ فسلّموا وأطاعوا عند أمر التكليف ؛ وإنّ الذي تشبّه بهم في صورة الملكيّة ولم يكن منهم حقيقة أعجب بنفسه عند أمر التكليف . فقال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ * أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً وكان ذلك عجبا في ضمنه تعجّب ؛ فلم يسلّم لأمره أصلا ، وفسق عن أمر ربّه استكبارا وإنكارا واستبدادا برأيه وقياسه وإعراضا عن أمره ونصّه وتعيينه ؛ فلحقته اللعنة وتمّت عليه الكلمة ؛ فصارت القصّة سارية في بني آدم إلى يوم الدين ؛ وكما أنّ الخلافة في الأرض لم تنقطع إلى قيام الساعة كذلك المسلّمون والمنكرون على حالهم لم يتبدّلوا إلى يوم القيامة ؛ وكما أنّ التكليف والتعريف كان متوجّها على الملائكة ومن شبّه بهم كذلك كان متوجّها على الأبرار والأشرار ؛ وكما أنّ الملكية إنّما امتازت عن الشيطانية بذلك التكليف الخاصّ كذلك المؤمن إنّما امتاز عن المنافق بهذا التكليف ، ليذهب المؤمنون مع الملائكة إلى الجنّة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ، ويذهب المنافقون مع الشياطين إلى النار خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض . وسرّ آخر : أنّ الملائكة - عليهم السلام - خلائف السماء متوسّطون في الخلق بأمره - سبحانه وتعالى - وأنّ الأنبياء - عليهم السلام - خلائف الأرض متوسّطون ( 109 ب ) في الأمر بإذنه - سبحانه وتعالى - فتعجّبت الملائكة كيف تكون الجسمانيات متوسّطين في الأمر الربّاني ، وهو فوق الروحاني وهم على أدناس الطبائع جوهرا وطينة ، وأوضار الفساد وسفك الدماء