محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
255
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
فعلا وسجيّة ؛ وذلك مبلغ علمهم فيهم ؛ فقال اللّه تعالى : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ، فكسر عليهم إعجابهم بعلم الغيب بعلم آخر محيط بعلمهم ولا يعلمون ، وكلّفوا الصبر على ما لا يعلمون ، والتسليم لما لا يعرفون ؛ وذلك من أسبق التكاليف على الخليقة ، وأرفع الدرجات في الحقيقة : الصبر على ما لا يعلم حتّى يعلم ، والتسليم لما لا يعرف حتّى يعرف ، والاتّباع قبل الهداية والبصيرة بعد التقليد : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ، اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ ، فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ ، وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . كلّ ذلك من الطراز الأوّل والحكم الأقدم ؛ وذلك من أحكام المفروغ في المستأنف ، والبصيرة في التقليد ، والهداية في الاتّباع ، والعلم في التسليم ؛ وقد جعل اللّه تعالى قصّة آدم والملائكة - عليهم السلام - علما ودليلا ودستورا وظهيرا على ذلك وهي جارية في الزمان الآخر على حسب ما جرى في الزمان الأوّل . وسرّ آخر : أنّ الملائكة - عليهم السلام - لمّا رأوا خلقة آدم - عليه السلام - من الماء والتراب وهو الطين ، وما زجهما الهواء والنار حتّى صار صلصالا كالفخّار ، والأركان مزدوجة ومتضادّة ، فاثنان منها فاعلان واثنان منفعلان وذلك هو الازدواج ، واثنان منها متنافران وذلك هو التضادّ ، وعلموا أنّ النفس الشهوية مصدرها الازدواج ، ومظهرها الفساد ، وأنّ النفس الغضبية مصدرها التضادّ ، ومظهرها سفك الدماء ، قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ولم يقفوا على النفس الإنسانية القابلة للعلم [ و ] على سبيل التعلّم بواسطة السمع المؤدّية للعلم [ و ] على سبيل التعليم بواسطة النطق ؛ فقال اللّه تعالى : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ وعقّب ذلك بتعليم آدم الأسماء كلّها ؛ وأنّ الملائكة لمّا أخبروا عن أنفسهم بالتسبيح والتقديس : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ، عابوا آدم بوصفين ، ومدحوا أنفسهم بوصفين ؛ وكان نظرهم في طينة آدم - عليه السلام - ( 110 آ ) أنّها منشأ الفساد وسفك الدماء ، ونظرهم في جواهرهم أنّها منشأ التسبيح والتقديس ، إذ لا ازدواج فيها فتولّد نفسا شهوية ، ولا تضادّ فيها فتولّد نفسا غضبية ، بل لا يصدر عنها إلّا محض التسبيح والتقديس ، نظرا مستقيما « 1 » ، لكنّ اللّه تعالى بيّن لهم أنّ فوق نظرهم نظرا أقوم منه ، وأنّ وراء عقولهم
--> ( 1 ) . خبر « كان نظرهم » .