محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

246

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

للإنسان أهو خاصّ لقوم مخصوصين أم عامّ لجميع الناس ؟ وابتداؤه به ابتداء الخلق والإيجاد حتّى يكون خلق السماوات متأخّرا عن خلق الأرض ؛ إذ قال في موضع آخر : قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ، ثمّ ذكر خلق ما في الأرض في يومين آخرين . ثمّ استوى إلى السماء ؛ فذكر أنّه ( 105 ب ) سوّاهنّ في يومين آخرين ، ومن حكم الحكمة أن تبدأ بالكامل ثمّ بالناقص ، وباللطيف ثمّ الكثيف . فعلى طريق الحكمة ابتداء الوجود من الأشرف فالأشرف ، وعلى مذهب الشريعة ابتداء الوجود من الأكثف فالأكثف حتّى بلغ الأشرف فالأشرف ؛ فإنّ الدخان الصاعد من الماء ألطف من الماء ، والسماء المخلوق من الدخان ألطف من الدخان . وعلى طريق الحكماء : الأفلاك والأنجم هي ألطف الأجسام ، والطبائع والأركان أكثف منها ، والماء والأرض أكثف من النار والهواء ؛ فتارة الأرضيات أسبق في الوجود ؛ وهي كما يقول في التنزيل : هو أسبق على التأويل ، والعبارة أسبق على المعنى ؛ وهذا حكم الشرع وهو المستأنف ؛ وتارة السماويات أسبق في الوجود ؛ وهي كما نقول : الأرواح أسبق على الأجساد ، والمعنى أسبق على العبارات ، والقلم واللوح أسبق على العرش والكرسيّ ، والبسائط أسبق على العبارات ؛ وهذا حكم القيامة وهو المفروغ ؛ وعلى هذين الحكمين يخرج الدائر والمستقيم ؛ فإنّ المفروغ بالدائر أولى ، والدائر بالسماويات أولى والسبق بها أولى ، وإنّ المستأنف بالمستقيم أولى ، والمستقيم بالأرضيات أولى والسبق بها أولى . فهذا هو الإشكال وهذا حلّ الإشكال وإلّا فالعقدة مشكلة الحلّ ، ولولا حكم الكونين لم ينحلّ ذلك قطّ . وسرّ آخر : أنّه تعالى قال : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً و « لكم » إشارة إلى نوع الإنسان وهو صحيح ؛ إذ سخّر لنوع الإنسان كلّ نبات وحيوان ، ولأجله خلق ما خلق في الأرض من المعادن والنبات والحيوان ؛ وقد يصحّ أن يحمل ذلك على جماعة مخصوصين هم خلاصة النوع ؛ أو على رجل واحد هو مجمع النوع والخلاصة من النوع ؛ فتتّحد عنده النوعية والشخصية ، كما قال تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ وهو إشارة إلى شخص واحد هو في حكم النوع ، وقال : ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ وهو