محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
230
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ؛ وكذلك من نظر إلى أمثال القرآن بعين العيب فيقول : ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ؛ فصارت الأمثال بيانا وهدى لمن رآها بعين الصواب ، وعمى وضلالة على عين فرآها بعين الخطأ والإنكار . ثمّ كونها بيانا وهدى هو المقصود الأوّل والعلّة الكمالية الغائية ، وهو الموضوع لها بالذات ؛ وكونها عمى وضلالة هو غير المقصود وغير العلّة والحكمة ، بل هي واقعة في الأمثال بالعرض والتبع ، بل الضالّ نفسه إنّما وقع ذاته في الوجود بالعرض لا بالذات . قال الصادق - رضي اللّه عنه - : « المؤمن هو الشيء والكافر هو اللاشيء . » 483 فالكافر [ أو ] المنافق إذا لم يكن في ذاته شيئا فكيف يكون وقوعه في الوجود مقصودا بالذات ؟ ! وكيف ينسب الباري تعالى إيجاده وإحداثه ؟ ! وكيف لا ينسب أيضا وقد تحقّق له وجود في الحسّ وحركات وأفعال في البصر ؛ ولذلك قال أمير المؤمنين - رضي اللّه عنه - لذلك الرجل الذي كان يتكلّم في القرآن برأيه إفحاما له بالعموم والخصوص : « من إله المؤمن والكافر ؟ » قال : اللّه ، قال : « صدقت » ، قال : « فمن مولى المؤمن والكافر ؟ » قال : اللّه ، قال : « كذبت . ذلك ( 98 ب ) بأنّ اللّه مولى الذين آمنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم . » 484 فأدخل الكافر في الوجود عموما وأخرجه منه خصوصا ؛ فكذلك يجب أن يدخل الضلال في الخلق عموما ويخرج منه خصوصا ، ويقال : إنّ اللّه يضلّ ويهدي عموما ، وهو الهادي والهداية أولى به خصوصا ، وكذلك القرآن يضلّ به ويهدي به ، ولكن : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ وهو هدى للمتّقين ؛ وكذلك النبيّ مبعوث إلى الأسود والأحمر والمؤمن والكافر عموما : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ؛ والتكليف عامّ لجميع الخلق عموما وهو مبعوث لمن سبقت لهم منّا الحسنى بالإيمان خصوصا : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ . فانظر إلى مناهج هذه الأسرار هل تجدها في سائر التفاسير والتواريخ وكلام المتكلّمين ؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ . * وسرّ آخر : في ضرب الأمثال بالبعوضة والذباب والعنكبوت وكلّ ما يستحقر في العين وجوده إنّما يكون مستنكرا إذا كان ما يشبهه من الممثول به في الموجود أكثر منه أو كان لا يناسبه في التمثيل والتشبيه . فإذا كانت الدنيا لا تزن عند اللّه جناح بعوضة فكيف يستبعد