محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

231

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

تمثيلها بالبعوضة ؟ ! وإذا كان مثل الذين اتّخذوا من دون اللّه أولياء أحقر من العنكبوت اتّخذت بيتا فعقائدهم في الوهن والضعف دون بيت العنكبوت ، وهممهم في المكاسب الدنيوية أخسّ من همّة العنكبوت في اصطياد الذباب . فهل يكون في العقل مثل أخصّ من هذا المثل ؟ وإذا كان الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ . إذ كانوا يضعون عندهم الأطعمة اللذيذة والأشربة المريئة ولم يكن يحظى بها إلّا الذباب : ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ . فهل في الأمثال مثل أمثل منه أو أقرب شبها ومناسبة منه ؟ ! ومن العجب أنّهم كانوا يضربون للّه الأمثال ولا يستحون منه ، ويجعلون له بنين وبنات بغير علم . فكيف يستحيي اللّه تعالى من الحقّ أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ، وفي البعوض من بدائع الصنع ما للفيل على عظم جثّته وكبر خلقته . ألم تر الوجه والخرطوم والظهر والبطن والقوائم والذنب على ( 99 آ ) شكل الفيل سواء بسواء ومثلا بمثل ، وزيادة الأجنحة لها كالطير ، وزيادة القوّة لها على قوّة خرطوم الفيل ؛ فتغرزه على أصلب جلد وأغلظه ، ويمتدّ الدم الذي هو غذاؤها حتّى تمتلئ به . والخرطوم أدقّ من الشعر والقوّة الجاذبة لها أمدّ من مدّ البحر . فسبحان من بدائع صنعه في الأصاغر ألطف من صنائعه في الأكابر . قوله - جلّ وعزّ - : الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 27 ) النظم [ و ] اللغة ثمّ وصف اللّه الفاسقين وبيّن حالهم وأفعالهم حتّى كأنّ الفسق مفسّر بها . فقال : الَّذِينَ يَنْقُضُونَ . النقض في اللغة : الهدم وإفساد ما أبرم من حبل أو بناء ؛ والعهد في اللغة على معان : الوصيّة والضمان والأمر واليمين والمودّة والوجود والوقت ؛ والأصل في العهد القول الذي يتوثّق به ، وجمعه عهود ؛ وقيل : هو العقد الذي يعقد لأمر في المستقبل في قوله تعالى :