محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
222
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الأسرار قال الصالحون من عباد اللّه : إنّ الأنبياء - عليهم السلام - بعثوا لتقرير التوحيد ونفي الأنداد وبيان التكليف بالإيمان والأعمال الصالحة وبيان الجزاء في دار المعاد ، وهي كلّها مذكورة في هذه الآيات ؛ والعوالم ثلاثة : عالم الخلق وعالم الأمر وعالم الجزاء والثواب ، والتنزيل مبدأ والتأويل معاد ، والتكليف مستأنف والتقدير مفروغ ، وصاحب التنزيل لتقرير أحكام التكليف والمستأنف ، وصاحب التأويل لتقرير أحكام التقدير والمفروغ ؛ وكما يتبيّن المفروغ في المستأنف ويتكامل المستأنف بالمفروغ كذلك يتبيّن التأويل في التنزيل ويتكامل التنزيل بالتأويل ؛ وكما أنّ المفروغ حكم يصدر من التقدير ويظهر بالتكليف ثمّ يرجع إلى المفروغ ؛ فله طرفان كالدائرة يلتقى طرفاها من المستقيم كذلك المستأنف حكم يصدر من التكليف ويظهر بالتقدير ثمّ يرجع إلى المستأنف ؛ فله طرفان كالمستقيم يتّسع طرفاه من الدائرة . فالمبدأ إذا يظهر بالمعاد وكماله في المعاد ؛ والخلق كذلك يظهر بالأمر ؛ وكماله في الأمر ، والأنبياء - عليهم السلام - إلى تقرير الكمالات وأحوال المعاد أميل ، وكلّ نبيّ كان إلى المعاد أقرب كان إلى تقرير أحوال المعاد أميل ، وكلماته فيها أتمّ وأكمل ؛ والنبيّ المصطفى - صلوات اللّه عليه وآله - كان مبعوثا بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة ؛ وقال : « بعثت أنا والساعة كهاتين » 480 وقرن بين السبّابة والوسطى ؛ فلذلك أنزل عليه الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وبيّن فيه أحوال الخلق والرزق مبدأ في دعوة التكليف : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثمّ بيّن فيه أحوال الأمر كمالا في دعوة التعريف ثمّ بيّن أحوال الفريقين من الكافرين والمؤمنين ؛ وقدّم ذكر أحوال أهل النار وأخّر ذكر أحوال أهل الجنّة ؛ فإن شئت أن تجعل بيان الخلق مبدأ وبيان الأمر وسطا وبيان المعاد كمالا ( 95 آ ) ، وإن شئت اقتصرت على الطرفين المبدأ والكمال ؛ فتكون العوالم ثلاثة على الرأي الأوّل ، وهما اثنان على الرأي الثاني . وسرّ آخر : في أحوال المعاد أنّ اللّه تعالى ذكر معاد الكافرين النار التي وقودها الناس والحجارة ؛ فاتّخذ فيها الوقود بالموقود ، واقترن الناس بالحجارة ؛ فالحجارة إذا قرائن الناس الكافرين ؛ إذ كانت قلوبهم كالحجارة أو أشدّ قسوة ؛ والناس اتّحدوا بالنار إذا صاروا وقودها ؛ فصار الوقود والموقود والحجارة متّحدة بالنار .