محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
223
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
ثمّ ذكر معاد المؤمنين الجنّة التي تجرى من تحتها الأنهار الآية . فهي أشجار وثمار ومياه وأنهار ، وثمارها متشابهة على اختلاف صورها وأشكالها وألوانها ، ولهم فيها أزواج مطهّرة إمّا بالفطرة أو بالتطهير وهم فيها خالدون ؛ فمجموعها إذا جنّات وأنهار وثمار وأزواج وخلود ، ثمّ أشجارها وثمارها متّحدة اتّحاد الحقّ بالمحقّ والكلام بالمتكلّم والعلم بالعالم ، وثمارها متشابهة تشابه الكلمات الصادقة العادلة في تحقيق الحقّ وإبطال الباطل ؛ فإنّها مختلفة الألفاظ والعبارات متّفقة المعاني والحقائق ، وعلى الوجهين قد أتو به متشابها كلّها خيار لا رذالة فيها ، وحقّ لا باطل معه . وأزواجهم مطهّرة تطهير الأنبياء المؤمنين والعلماء المتعلّمين من أنواع الضلال والبدع ، وهم فيها خالدون خلود اليقين الذي لا ينفكّ عن قلوب الموقنين ؛ وإنّ الذوات إذا كان تفاوتها ببقاء صورها ، والصور إذا كانت يقينية فهي دائمة الوجود واجبة الخلود ؛ فالنفوس المرتسمة بها دائمة الوجود واجبة الخلود ؛ وكذلك الحقّ في كلّ قضيّة كالبنيان على تقوى من اللّه ورضوان يشدّ بعضه بعضا ، ويصدّق أوّله آخره ، وآخره أوّله ، ويكون الإقرار به إقرارا والإنكار عليه إقرارا ، وإثباته إثباتا ونفيه إثباتا . وهذه خواصّ النفوس التي لها البقاء والدوام والخلود ، بخلاف الباطل في كلّ قضيّة كالبنيان على شفا جرف هار ينقض بعضه بعضا ، ويكذّب أوّله آخره ، وآخره أوّله ، ويكون الإقرار به إنكارا والإنكار عليه إقرارا وإثباته نفيا ونفيه إثباتا ؛ وهذه خواصّ النفوس التي لا تموت فيها ولا تحيا ، ولا تبقى فيها ولا تفنى . ( 95 ب ) فمن أراد أن يعرف صفات أهل الخلدين في الآخرة وهو في الدنيا فليتدبّر أحوال الفريقين في الدنيا وهو في الآخرة ؛ وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - « إنّ في الجنّة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما أطلعتكم عليه » 481 ، واطّلاعه - صلّى اللّه عليه وآله - إمّا بإخباره عن تلك النعم الخالدة ، وإنّما تعرف بالأخبار الأسماء والألقاب كما قال - عليه السلام - : « ليس عندكم من الجنّة إلّا الأسماء والألقاب . » 482 فهي في الأسماء متشابهة وفي الحقائق متباينة ؛ وأمّا الدين والشريعة وتحقيقه الحقّ وإبطاله الباطل فتكون كلّ قضيّة مثالا لما في المعاد ، فيبصر المفروغ في المستأنف ويعرّف الخلق بالأمر ، والأمر بالثواب في