محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

209

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وأمّا الأنداد قولا فكما أثبته الفلاسفة من الترتّب في الوجود ؛ إذ قالوا : الوجود ينقسم إلى واجب لذاته وإلى ممكن لذاته ، ثمّ الممكن بذاته واجب بغيره ؛ فيجب وجوده صدورا عن ذات الواجب لذاته ؛ فيلزمهم التناسب والتوالد بين الموجب والموجب ؛ وذلك هو إثبات الندّ ؛ ويلزمهم الاشتراك في الوحدة والإحاطة والقدم ؛ فالتزموا ، وهو إثبات الندّ ؛ ويلزمهم الترتّب في الوجود ، أي الواجب لذاته أعلى درجة من الواجب بغيره ، وهو إثبات الندّ ؛ وكذلك كلّ من قال من المتكلّمين : إنّ اللّه تعالى يشبه خلقا من مخلوقاته أو يشبهه خلق في صفة مّا من صفات جلاله أو صنع من صنائع أفعاله إبداعا وإيجادا ؛ وإنّما وقعوا في متاهات الفكر ومجازات العقل لأنّهم اتّخذوا هذا القرآن مهجورا ، وجعلوا النبيّ المبعوث بالتوحيد عن تقرير التوحيد معزولا ، قال اللّه تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها . وسرّ آخر : أنّ اللّه تعالى بيّن في هذه الآية الاحتياج المركوز في الفطرة الإنسانية ، والازدواج الموجود في جميع الخليقة ، كما قال - عزّ من قائل - : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ ؛ وهو بعينه معنى قوله تعالى هاهنا : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً . ثمّ قال : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . فكما أنّ السماء والأرض مزدوجان ، فكلّ سماوي وأرضي مزدوجان ( 89 آ ) وكون الازدواج خاصّا بالخليقة كلّها وهم الأنداد في وجودها وبقائها ؛ واللّه خالق المزدوجات فلا ندّ له ، والحاكم على المضادّات فلا ضدّ له ؛ فلا تجعلوا للّه أندادا وأنتم تعلمون بالفطرة الاحتياج في أنفسكم ، وبالفكرة الازدواج في الخليقة وهو خالقكم وخالق المزدوجات . قوله - جلّ وعزّ - : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) النظم إنّ اللّه تعالى لمّا بيّن في الآية السابقة أنّه الخالق الرازق الذي لا شريك له في الخلق