محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
200
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
نحوه ؛ فإنّ التمثيل من كلّ وجه ليس بممكن كما ذكروا ، والمقصود هاهنا في المثلين شيء واحد ، وهو الكون الأوّل من حالهم أنّه كيف يشبه الضوء في النار التي أضاءت ما حولهم ساعة ثمّ انطفأت النار ؛ فذهب اللّه بنورهم ، وهو إشارة إلى الكون الثاني من حالهم ؛ وكذلك كيف يشبّه الضوء في البرق كلّما أضاء لهم مشوا فيه وذلك أيضا إشارة إلى الكون الأوّل من حالهم إلّا أنّه أسرع انطفاء من الأوّل وأقّل انتفاعا به ومشيا فيه ؛ وقوله : وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا أي متحيّرين قد ذهب اللّه بنورهم أيضا ؛ وذلك إشارة إلى الكون الثاني من حالهم . فالضوءان المذكوران في النار والبرق هما المقصودان في المثل بتشبيه الحال بالحال ؛ وهما لسرعة زوالهما لا يجديان لصاحبهما نفعا بإبصار الجادّة وسلوك الطريق . فالرعد يقصم أسماعهم والبرق يخطف أبصارهم . ذلك قريب الشبه بإلزام الحجّة عليهم كالرعد يقصم أسماعهم ، وتعريف الحقّ لهم كالبرق يخطف أبصارهم . فلم يتحصّلوا منهما إلّا على ذهاب السمع والبصر ؛ ولو شاء اللّه لذهب بسمعهم وأبصارهم الظاهرة بذلك الرعد والبرق ، كما ذهب بسمعهم وأبصارهم الباطنة . فهذا الرعد رعد الإلزام ، وهذا البرق برق تحقيق الحقّ . وسرّ آخر : أنّا ذكرنا أنّ المثل لتشبيه الحال بالحال في الحال ، ولتشبيه الحال بالمعاد والمآل . فحالهم في المآل كمثل صيّب من السماء يصوّب عليهم أنواع العذاب فيه ظلمات ورعد وبرق ، أمّا الظلمات فطبقات النيران بعضها فوق بعض ؛ وأمّا الرعد فصوت الزبانية تزفر عليهم بصوت الزبانة والكبر ، يبرق منه برق يخطف البصر ؛ لأنّهم في الدنيا لم يسمعوا الحقّ بأسماع قلوبهم ولم يبصروا الحقّ ببصائر عقولهم ، وقالوا : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ . وسرّ آخر : أنّ المنافقين بعد زمان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ربّما يأكلون ويتمتّعون ويلهيهم الأمل ويكون لهم دولة ورعد وبرق ؛ فمنهم من يستوقد نارا فيستدفئ بها مدّة ويبصر ما حوله من الخول والنعم مدّة ، ويعيش بالإسلام والدّين وليس له منهما إلّا الاسم الظاهر ؛ فيذهب اللّه بنوره ويتركه في ظلمات التبعات ؛ ومنهم من يؤاتيه الزمان بصيّب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق من الظلم والقهر ( 85 آ ) والغلبة ؛ فيتمتّع بها مدّة كلّما أضاءت الدولة مشى فيها ، وكلّما أظلمت عليه دائرة السوء قام متحيّرا ؛ فيذهب اللّه بنوره