محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

201

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

ويحيط به إحاطته بالكافرين ؛ وقد شهدت عليهم - أعني على منازعي الحقّ في الإمامة والإمارة ما ذكرناه من التمتّع بالدنيا والاغترار بمهلة الأمل - آيات القرآن ، وصدّقتها شواهد العيان ، قال اللّه تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . وسرّ آخر : في الآثار العلوية من السحاب والريح والرعد والبرق ، وقد تكلّم الحكماء فيها بأنّها أجسام مائية تتصاعد بخارا إلى الجوّ أو أجسام نارية تتصاعد دخانا إلى الجوّ ؛ فيتخلّلها الريح ؛ فيجعلها ركاما ويصادفها قليل برد من الهواء ، فتستحيل ماء للبرودة التي حلّت فيها ، كما استحالت هواء في الأوّل للحرارة التي حلّت فيها ؛ فتنزل مطرا كما صعدت بخارا ؛ وإن كان البرد أشدّ صيّرها جليدا وثلجا وبردا على قدر القوّة والشدّة فيه ؛ وإذا تخلّلها الريح فصكّت بعضها ببعض أو خرجت من خلالها بسرعة حدث فيها صوت بقرع أو قلع ؛ فيسمّى ذلك رعدا ؛ وقوّة الصوت على قدر شدّة القرع والقلع ؛ فيحدث من الاصطكاك ضوء في الجوّ ويسمّى برقا ؛ وقوّة الضوء على قدر شدّة الاصطكاك . ثمّ في الأبخرة أجسام منها دهنية فتشتعل كالشهب خصوصا إذا صادمتها الأدخنة النارية ، فاستحالت نارا ، وربّما تنزل متحجّرة كالحديد أو صاعقة كالنار في الزجاج . وعلى هذه القاعدة سائر الآثار العلوية التي تظهر في الجوّ نازلة أو صاعدة ، مثل الهالة وأذناب الكواكب وقوس قزح والشموس والأقمار التي ترى في الأفق ؛ وهذا الذي ذكره تقرير للمحسوس من حيث هو جسماني محسوس ، وقد أغفلوا تقرير المعقول فيها من حيث هو روحاني معقول ، وإنّما ورد في حكمة النبوّة أنّه ما من شيء محدث في العالم الجسماني يحدث إلّا ومعه كلمة فعّالة من أمر الباري تعالى ، وحامل تلك الكلمة الأمرية ملك روحاني ؛ فيتقدّر الخلق على الأمر ؛ ولا يخلو المحسوس من المعقول ، ولا الجسماني من الروحاني ؛ فيكون ملك موكّل بالسحاب يأمره ويزجره وذلك هو تسبيحه بحمده تعالى . سبحان من يُسَبِّحُ ( 85 ب ) الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ . فتارة يشار إلى الرعد فيقال : هو ملك ؛ وتارة يومى إلى الملك فيقال : هو رعد ؛ وكذلك الملك الموكّل بالريح والملك الموكّل بالنار والملك الموكّل بالأرض .