محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
185
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ : * « إنّ جهاد الكفّار بالسيف والمنافقين بالحجّة » فصحيح ، وإن كان يجاهدهما بالحجّة والبرهان أوّلا ، ثمّ خصّ الكفّار بالسيف ، وما شهر السيف على المنافقين ؛ لأنّهم بعد في ستر التقيّة بالكلمة والاستظلال بالدين والإسلام . لكنّ المحقّقين قالوا : إنّ التكليف كان متوجّها عليه بالجهادين جميعا سيفا وحجّة ؛ فقضى أحد القرضين والدّينين ، وبقي عليه الدّين الثاني ؛ فقال : « عليّ قاضي ديني » 461 ، فقضى دينه وأبرأ ذمّته عن عهدة التكليف ؛ وذلك قوله : « فيكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله » ؛ وقوله أيضا : « إنّك تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين » 462 وذلك قوله : « وأنت قاتلهم يا عليّ فإذا أدركتهم فاقتلهم قتل ثمود » . ولربّما يحكم نبيّ من الأنبياء - عليهم السلام - بأحكام القيامة ؛ وقد حكم داود - عليه السلام - بثلاثة أحكام من أحكام القيامة ، وحكم موسى - عليه السلام - في السامري وأصحابه بأحكام القيامة ؛ إذ لم يقتل قومهم حتّى قتلوا أنفسهم ؛ وجرى في أحكام عيسى - عليه السلام - من أحكام القيامة كثير ؛ وكذلك في القرآن أحكام كثيرة من أحكام القيامة ؛ قال اللّه تعالى : وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ ؛ وقد أمر - عليه السلام - يوم الفتح بقتل جماعة هم أحد عشر نفسا ؛ قال : « اقتلوهم وإن رأيتموهم متعلّقين بأستار الكعبة » 463 ؛ فهرب بعضهم وتوارى واختفى بعض ، وتشفع في بعض ، وقتل بعض ؛ وكثير من المنافقين لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالّون ؛ ومن المنافقين من أظهر حاله لحذيفة بن اليمان ؛ ومنهم من أظهر حاله بحبّ عليّ وبغضه ؛ فقال : « لا يحبّك إلّا مؤمن تقيّ ولا يبغضك إلّا منافق شقيّ » 464 ؛ ومنهم من أخفى حاله غاية الخفاء ، يعاشره ( 78 آ ) معاشرة الوليّ الحميم : فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ؛ وحديث : « بئس أخو العسيرة ونعم أخو العشيرة » 465 معلوم مشهور . قوله - جلّ وعزّ - : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) النظم وجه النظم بين الآيات في المنافقين وبين المثلين المذكورين بعدها أنّه تعالى لمّا ذكر