محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

186

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

صفاتهم وأحوالهم عقّب ذلك بمثلين تعرف بهما أحكامهم في الدنيا والآخرة ؛ والمثل إنّما يضرب تقريبا للمعاني إلى الأفهام ، وربطا لحال مستور بحال مشهور ، ومثال محسوس ؛ ويحسن ذلك في البيان تأكيدا للكلام ، وتقريرا للحجّة . اللغة قال الفرّاء : المثل والمثل بمعنى ، وهو الشبه والشبيه ؛ ومن أهل اللغة من فرّق بين المثل والمثل ، فقال : المثل بالفتح يستعمل في الأمثال المضروبة ، والمثل بالكسر يستعمل في الشيء المماثل لغيره . قال المبرّد : المثل مأخوذ من المثال ، وأصله التشبيه ؛ والشيء يعرف بشبهه ونظيره ؛ والمقصود بالمثل البيان عن حال الممثّل ، وهو تشبيه الحالة بالحالة . ولو قيل : هو الذي استوقد نارا ، لم يعرف ما الغرض من التشبيه ؛ فإذا ذكر لفظ المثل علم أنّ المراد تشبيه الحال بالحال . وقوله : اسْتَوْقَدَ بمعنى أوقد ، وهو كقولهم استجاب بمعنى أجاب . هذا قول أكثر أهل اللغة ؛ وقال أبو عبيد : استوقد ، أي استدعى من غيره نارا للضياء ، والسين للطلب . فَلَمَّا أَضاءَتْ ، أي النار ، ما حَوْلَهُ يقال : أضاءت النار نفسها وأضاء بها غيرها ، يكون لازما ومتعدّيا ؛ ويقال : ضاءت النار في نفسها وأضاءت غيرها ، كلاهما لغة . يقال : ضاء الصبح يضوء ضوءا ، وأضاء يضيء إضاءة ، وأضاءت لي النار وأضاءت النار كذا ، أي بيّنت ؛ وقرأ محمّد بن السميقع ضاءت بغير ألف ؛ و « حوله » نصب على الظرف . قال الفرّاء : شبّههم وهم جماعة بالذي استوقد نارا وهو واحد ؛ لأنّه شبّه الفعل بالفعل ، كأنّه قال : مثل فعلهم كمثل فعل الذي استوقد نارا ؛ والفعل الموحّد قد يكون للواحد والجميع ، وذلك أنّه مثّل النفاق ، وهو كقوله : تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ يعني كدوران عين الذي يغشى عليه ؛ وكذلك : ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أي إلّا كخلق نفس وكبعث نفس ؛ ولو كان التشبيه للأجسام لما كان إلّا مجموعا كما قال : كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ و كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ . * ثمّ قال : ( 78 ب ) ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ على الجمع ؛ لأنّه رجع إلى المنافقين ؛ وقال