محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
184
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
بأفعالهم وأقوالهم ، لا بمجرّد علمه ؛ فإنّ علمه بهم ينوب مناب علم اللّه تعالى ؛ وكما أنّ اللّه تعالى لا يقضي على العباد بعلمه حتّى يكلّفهم بالإيمان والطاعة ، ثمّ يحكم عليهم بالإقرار والإنكار ، كذلك النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - لا يقضي عليهم بعلمه حتّى يبلغهم الرسالة ، ثمّ يحكم بالإقرار والإنكار ظاهرين مكشوفين ؛ وقاضي الشريعة غير ؛ وقاضي القيامة غير ؛ فقاضي الشريعة يجب أن يسوّي بين الخصمين في المجلس والمنطق والمنظر ، وإن كان يعرف أنّ أحدهما محقّ والثاني مبطل بالإطلاق أو بالتعيين ، ثمّ يقضي بالشاهد واليمين وإن كان علمه على خلاف ما شهد به الشهود ؛ فربّما يميّز بين حلال وحرام ويفرّق بين الزوجين بالشهود الزور أو اليمين الفاجرة ، وذلك عدل الشريعة ؛ وقاضي القيامة لا يسوّي قطّ بين المحقّ والمبطل ، ولا يقضي بشهادة الزور واليمين الفاجرة ، بل يقضي بعلمه ، ولا يذهب عليه الحقّ والباطل ، ولا يشتبه عنده الصادق والكاذب ؛ وقد عرفت أنّ الحكمين من قواعد الدين والشريعة ، وهما كالحكمين الجاريين على لسان موسى وفعل الخضر - عليهما السلام - 459 ؛ فإنّ موسى كان يقول : خرق السفينة إفساد مال الغير ، وإغراق لأهلها ؛ وذلك لا يجوز في حكم الشريعة ؛ وهو صادق ؛ وأنّ الخضر كان يفعل ذلك لعلمه بأنّ وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة غصبا ؛ فاستبقاء الكلّ بإفساد الجزء منه أصلح وأصوب ؛ وذلك جائز في الدين ، وهو صادق ؛ فحاكم الشريعة يحكم على المنافق بعصمة النفس والمال والولد كالمؤمن سواء ، وهو صادق عادل ؛ وحاكم القيامة يحكم على المنافق بالدرك الأسفل من النار ، ولا يسوّي بينه وبين المؤمن أصلا وهو صادق في قوله ، عادل في حكمه إلّا أن يظهر من المنافق قول أو عمل أو يتبدّل دور بدور . أمّا ظهور النفاق بالقول فكما ذكرنا ( 77 ب ) من حديث ذي الخويصرة ، وأمّا تبدّل الدور فإنّ المنافق في دور النبوّة لا يبقى منافقا في دور الوصاية والإمامة ، بل يحكم عليه ببعض أحكام الكفر ؛ فإنّ المنافق في الكون الأوّل على المشابهة بالمسلم ؛ فتجرى عليه أحكام الإسلام ؛ وهو في الكون الثاني على المباينة عن المسلم ؛ فتجري عليه أحكام المباينة وهو الكفر ؛ وعن هذا قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « فيكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله ألا وهو خاصف النعل » 460 وهو يخصف النعل ؛ وما قيل في تفسير قوله