محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
مقدمة 25
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
( 510 ه ) ، ويبقى فيها ثلاثة أعوام يدرّس ، ويظهر له قبول عام « 1 » . من هنا نعتقد أنّه كان قبل هذا التاريخ أكثر من طالب في نظامية نيشابور ، ومن المحتمل جدّا أنّه كان معيدا أو أستاذا فيها ؛ فلا يعقل أن يأتي طالب من نظامية نيشابور ليعتلي كرسيّ الوعظ في نظامية بغداد ، وهي أعلى المدارس كعبا في زمانه ، سيّما إذا علمنا أنّ كبار العلماء والفقهاء في هذا العصر كانوا يفتخرون بجلسات وعظهم ، وكان لقب « واعظ » من أهمّ الألقاب العلمية « 2 » . ولو علمنا أنّ الطالب لا يدخل النظامية أيّة نظامية كانت إلّا إذا كان قد أنهى مقدّمات العلوم ، نفهم أنّ الشهرستاني قد اجتاز هذه المقدّمات في سنّ مبكرة في « شهرستان » و « جرجانية » . يبدو أنّ كفاءة الشهرستاني ونبوغه العلمي من الأسباب التي جعلته تلميذا لأشهر علماء نيشابور ، كما صيّرت منه نجيّا لأبي القاسم الأنصاري ، يأخذ منه ما في قلبه من أسرار في علوم القرآن والتفسير ، على مذهب أهل البيت - عليهم السّلام - « 3 » ويظهر من مؤلّفاته ما يلي : 1 . سعة اطّلاعه على ثقافة زمانه ، حتّى أنّه ليعدّ بحقّ دائرة معارف هذه الثقافة ، وكتابه الملل والنحل يثبت ذلك ، ويصوّر هو تطوافه في الحواضر العلمية واطّلاعه على الاتّجاهات المذهبية والثقافية المختلفة ؛ فيقول : لقد طفت في تلك المعاهد كلّها * وسيّرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلّا واضعا كفّ حائر * على ذقن أو قارعا سنّ نادم « 4 » وتفسيره يعكس أيضا سعة اطّلاعه ، حين يناقش آراء المتكلّمين والفلاسفة ؛ فيعرضها عرض إنسان يستحضر في ذهنه بشكل ناضج آراء الأقدمين والمعاصرين . 2 . جرأته العلمية على الخوض في أعمق المسائل الفكرية في عصره ؛ ويظهر أنّه ما وجد في الملل والنحل مجالا لإبراز هذه الجرأة ؛ فتصدّى بعده لكتابة المصارعة وفي مقدّمته يبيّن
--> ( 1 ) . عبارة الخوارزمي : « وظهر له قبول عند العوام » معجم البلدان 3 / 377 . ( 2 ) . انظر : مدارس نظامية / 168 . ( 3 ) . راجع أساتذة الشهرستاني في هذه الدراسة . ( 4 ) . انظر : الملل والنحل ( بدران ) 1 / 154 .