محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

مقدمة 26

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

هدفه من هذا الكتاب بقوله : « وإنّما يسبر غور العقل وتتبيّن قيمة الرجل عند مناجزة الأقران ، ومبارزة الشجعان ، وبالاختبار تظهر خبيّة الأسرار ، وبالامتحان يكرم المرء أو يهان . وقد وقع الاتّفاق على المبرّز في علوم الحكمة وعلّامة الدهر في الفلسفة ، أبي علي الحسين بن عبد اللّه بن سينا ؛ فلا يقفوه فيها قاف وإن نقض السواد ، ولا يلحقه فيها لاحق وإن ركض الجواد ، وأجمعوا على أنّ من وقف على مضمون كلامه وعرف مكنون كلامه فقد فاز بالسهم المعلّى ، وبلغ المقصد الأعلى ؛ فعزمت على الاعتراض عليه ردّا ورميا ، وتعقيب كلامه إبطالا ونقضا ؛ فإنّ ذلك باب ضربت دونه الأسدال وقبضت عليه الحفظة والأرصاد ؛ فأردت أن أصارعه مصارعة الأبطال ، وأنازله منازلة الرجال » « 1 » إذن ، أعلى هدف للعلماء في عصر الشهرستاني فهم بحوث ابن سينا ، وهو لا يكتفي بذلك ، بل ينازله منازلة الأبطال ؛ وهذا نموذج لذروة الجرأة العلمية . 3 . استقلال شخصيته العلمية ؛ فهو لا يخضع للجوّ المحيط به ، بل يعلو عليه ؛ فيقبل منه ما يرتأيه ، ويرفض منه ما لا يرتأيه ؛ يتبيّن ذلك من قول البيهقي الذي نصحه بالعدول عن انتهاج طريق غير مألوف في ذلك العصر عند تناوله تفسير القرآن ، كما يتّضح هذا الاستقلال الفكري في موقفه من مدرسة أهل البيت ممّا أثار حوله شبهة الإسماعيلية . « 2 » تفسيره يبيّن شخصيته المستقلّة بكلّ جلاء ؛ فهو الذي تتلمذ على يد أئمّة الأشعرية ، ودرس ودرّس في مراكز الفكر الأشعري ، يخالف الأشاعرة ويردّ عليهم كما يردّ على المعتزلة ؛ ومع تأكيده على أنّ الفرقة الناجية الوحيدة هي فرقة أهل السنّة والجماعة ، فهو يفهم السنّة والجماعة بشكل يخالف المألوف السائد في عصره . « 3 » من مظاهر الشموخ العلمي للشهرستاني ما أضفي عليه من ألقاب ، فقد لقب بالإمام « 4 » ، وهو أعلى لقب يناله عالم في ذلك العصر ، ولتعدّد إمامة الشهرستاني في كثير من العلوم

--> ( 1 ) . مصارع المصارع / 5 - 6 . ( 2 ) . انظر : مذهب الشهرستاني ومفاتيح أسراره في هذه الدراسة . ( 3 ) . سيأتي الحديث عن ذلك في دراسة مذهب الشهرستاني . ( 4 ) . سمّاه « الإمام » البيهقي وياقوت والسبكي والسمعاني وابن خلكان وابن تغري بردي وأبو الفداء وابن العماد ، راجع مصادر ترجمته .