محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

183

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

أعني المنافق - : إنّي مع المؤمنين ، ويقول للشياطين : إنّي معكم ؛ ومن أثبت الكون معهما ويكذب فقد نفى الكون معهما ويصدق ؛ فلذلك أخبر التنزيل عنهم بقوله : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ ؛ وكما كان اللعين الأوّل منافقا في الدور الأوّل مذبذبا بين الملائكة والناس ، والحقّ لم يكن من هؤلاء ولا من هؤلاء ، كذلك المنافقون في الدور الآخر قالوا : نحن مع هؤلاء ومع هؤلاء ، ولم يكونوا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ؛ وكما أنّه اشترى الضلالة بالهدى ، أي الاختيار والهوى بالنصّ والأمر ، كذلك هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ، أي الهوى بالهدى ، والخذلان بالقرآن ، والشياطين بالمؤمنين ؛ فكان الأوّل مثل الآخر والآخر مثل الأوّل حذو القذّة [ بالقذّة ] ، والنعل بالنعل . فإن قيل : إذا علم اللّه تعالى أحوال المنافقين وأعلم نبيّه - صلّى اللّه عليه وآله - صفاتهم وأطلعه على أقوالهم وأفعالهم فهل انقطع عنهم أحكام الإسلام ؟ وهل حكم عليهم بأحكام الشرك والكفر ؟ فإن لم ينقطع فما فائدة الإظهار والإعلام ؟ وكيف يجوز في حكم النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - أن يسوّي بين المؤمن والكافر ؟ وإن انقطع ذلك الحكم فهلّا جاهدهم جهاد المشركين ، وقد قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ ؟ * وإن قلت : إنّه - صلّى اللّه عليه وآله - جاهد الكفّار بالسيف والمنافقين بالحجّة ، فليس في الآية هذا التمييز ، بل ساق الجهاد مساقا واحدا ، والحجّة كما وجب إلزامها على المنافقين كذلك وجب إلزامها على المشركين ؛ فلم يكن لها اختصاص بالمنافقين . والجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما : أنّ اللّه تعالى أطلع نبيّه - صلّى اللّه عليه وآله - على صفات المنافقين لا على أسمائهم بأعيانهم ، فجرى عليهم أحكام الإسلام ، لإظهارهم شعاره ، وهم بعد في ظلّ الكلمتين آمنون مسلمون إلى أن يظهر منهم شقاق ، ( 77 آ ) مثل حال ذي الخويصرة التميمي ، إذ قال : اعدل يا محمّد فإنّك لم تعدل ، إلى أن قال : من يقوم إلى هذا الرجل فيقتله . فإنّما أجرى عليه حكم الكفر حين أظهر النفاق وأبدى صفحة الشقاق . والوجه الثاني : أنّ اللّه تعالى أعلم نبيّه - صلّى اللّه عليه وآله - حالهم بأسمائهم وصفاتهم وأعيانهم ، لكنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - إنّما يحكم عليهم بالكفر ويجري عليهم أحكام الكفر