محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

182

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

قال اللّه تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ . وكذلك في الديانات من العلم والتعلّم ، والحلم والتحلّم ، والدعوة والاستجابة ، والقول والاستماع ، والهداية والاهتداء ، والإرشاد والاسترشاد ، والتذكير والتذكّر : فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى ، ولو لم يكن في الديانات بيع وشراء وبيعة وقبول ومناد ومستمع وداع ومستجيب لفسدت السماوات والأرض بمن فيهنّ ، ولخرجت الخليقة عن حيّز الازدواج إلى حيّز الانفراد . فيا عجبا من عقول عليها كبول الإفراط والتفريط والغلوّ والتقصير . فتارة تنسب الازدواج إلى الأحد الصمد الفرد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ، وتارة تنسب الانفراد إلى الخلق المجبول على الازدواج بالفعل والانفعال والأداء والقبول والدعوة والاستماع والإرشاد والاسترشاد . فيقضّ عليهم القول بأول كلمة ، وتخسر تجارتهم في كلّ صفقة . فيقال للمنافقين منهم : إن لم تكونوا معه في الرجال فما معنى قولكم عند خلوتكم بشياطينكم « إِنَّا مَعَكُمْ ؟ ! » * وإذ لا بدّ من أن تكونوا مع رجال فاتّقوا اللّه وكونوا مع الصادقين . فلا تشتروا الضلالة بالهدى ، ولا تستبدلوا الهوى والرأي الفاسد بالقرآن . فإنّ القرآن هو الهدى ، والقرآن هو الصراط المستقيم ، والقرآن هو حبل اللّه المتين . متجره الرابح ، ومصباحه الواضح . من استشاره اهتدى ، ومن استمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى ، وقد خاب من افترى ، وضلّ من زاغ عنه وطغى . وسرّ آخر : أنّ المنافق في الدور الأوّل تشبّه بالملائكة - عليهم السلام - تشبّه المنافقين في الدور الآخر بالمؤمنين ، إذ قالوا : آمنّا باللّه وباليوم الآخر ؛ وقد خادع اللّه تعالى إذ قال : لا أسجد إلّا لك : أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً وخادع رسوله والمؤمنين ، إذ : قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ ؛ وكان في قلبه مرض الشرك والنفاق ؛ إذ قال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ * واعتقد أنّه من المصلحين كما قال هؤلاء القوم : إنّا مصلحون . ( 76 ب ) وإذا قيل : اسجد كما سجدت الملائكة ، قال كما قال هؤلاء : أنؤمن كما آمن السفهاء ؟ ! وكما أنّ الحقّ له كونان - كون في السمع ، وكون في البصر - كذلك الباطل له كونان - كون مع هؤلاء بوجه ، وكون مع هؤلاء بوجه - لكنّ الفرق بين كوني الحقّ وكوني الباطل أنّ كوني الحقّ يصدّق أوّله آخره وآخره أوّله ، وكوني الباطل ينقض أوّله آخره ، وآخره أوّله ؛ فهو يقول -