محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
176
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
قيل نمدّهم ، ولم يقل نمدّ لهم ؛ لأنّ المعنى نزيد في مدّتهم ومهلهم ؛ وقيل : معناه ونتركهم . فِي طُغْيانِهِمْ « 1 » أي في كفرهم وضلالهم ؛ والطغيان مجاوزة القدر ؛ وهو فعلان من طغى إذا تجاوز في الأمر ؛ وكأنّهم مدّوا في علوّهم . قال ابن عبّاس : في طغيانهم أي في كفرهم . قال ابن جريج : في معصيتهم . يَعْمَهُونَ قال ابن عبّاس : يتمادّون ويتردّدون ؛ وبه قال مجاهد ؛ وقيل : معناه يتحيّرون . يقال : عمه يعمه عمها إذا تردّد في طريقه ومعصيته ، وحاد عن الحقّ . الأسرار إنّ المفسّرين اتّفقوا على أنّ المراد بالشياطين هاهنا شياطين الإنس دون الجنّ ؛ لأنّهم قالوا : إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ، لكنّهم لم يحقّقوا معنى الشيطان إلّا من حيث اللغة ، ولم يميّزوا الحال بين الشيطان الذي هو كالكلّ وبين الشياطين الذين هم كأجزاء الكلّ ؛ ولم يفرّقوا بين حال شياطين الجنّ وبين حال شياطين الإنس ، وأنّه كيف يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا . وأنت تعرف على قاعدة التضادّ بين الحقّ والباطل والخير المطلق والشرّ المطلق أنّ في العالم نفوسا خيّرة في ذواتها ، طيّبة في جواهرها ، زاكية في أعمالها وأقوالها وعقائدها وأنّ في العالم نفوسا شرّيرة في ذواتها ، خبيثة في جواهرها ، دنيئة في أعمالها وأقوالها وعقائدها ؛ وقد عبّر التنزيل عن الفريقين بخير البريّة وشرّ البريّة . وتعرف أيضا أنّ كلّ نوع مشتمل على أشخاص ظهر بهم خواصّ النوع ، أعني أنّ الخير المطلق ليس معلّقا ( 73 ب ) في هواء التخيّل والوهم والعقل ، بل هو متعلّق بأشخاص محسوسة معيّنة هم الأخيار الأبرار ؛ فيظهر الكلّ المعقول بالأجزاء المحسوسة ، ويتشخّص النوع بالأشخاص المعيّنة ؛ فينطق بألسنتهم ، ويبصر بأعينهم ، ويسمع بآذانهم . وهم ينطقون به وأعينهم تبصر به وآذانهم تسمع به ، كما ورد في الخبر المعروف : « فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا ؛ فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش » 456 الخبر ؛ وكذلك في جانب
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير واللغة .