محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

177

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الشرّ المطلق يجب أن يجري مثله ؛ فيثبت شيطان هو كلّ ، وهو الذي عبّر عنه التنزيل بإبليس ؛ فظهر بأجزائه المحسوسة ، وكان أوّل تشخّصه لآدم - عليه السلام - أوّل البشر وشخص النوع بصورة الحارث بن مرّة ، ثمّ سرى في بني آدم مجرى الدم ومسرى العرق ، وكان يتشخّص في كلّ زمان بصورة خصم لنبيّ من الأنبياء - عليهم السلام - ففي زمان نوح - عليه السلام - تشخّص بخمسة : الودّ والسواع ويغوث ويعوق والنسر . فقيل : هم أصنام ؛ والأصحّ أنّهم ملوك زمانه ، والنسر ملكه ؛ وفي زمان إبراهيم - عليه السلام - تشخّص بنمرود وآزر ورؤساء الصابئة ؛ وفي زمان موسى - عليه السلام - تشخّص بفرعون الوليد بن مصعب ، وهامان وزيره ، والسامري وبلعام بن باعور ؛ وفي زمان عيسى - عليه السلام - تشخّص بيهوذا وجماعة من اليهود الذين قصدوا صلبه ؛ وفي زمان المصطفى - صلوات اللّه عليه وآله - تشخّص بأبي جهل وأبي لهب وجماعة المشركين والمنافقين من كلّ فريق من اليهود والنصارى والمسلمين ؛ فنطق بألسنتهم ، وسمع بآذانهم ، وأبصر بأعينهم ، وهم شياطين الإنس ؛ لا ينجع الإنذار فيهم : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ؛ ولا ينفع التكليف عليهم ، وهم المرجوع إليهم من الشياطين . بعدوا من الخير بعدا لا يرجى قربهم ؛ وشطنوا من الحقّ شطنا ، وفي الباطل شطونا . لا يتمنّى عودهم وفلاحهم ؛ والمنافقون أشبه بشياطين الجنّ لاستتار حالهم بظاهر الإسلام ، وهم متناسبون بالطبع والجوهر متوافقون في القول والعمل : يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ، في الدنيا ، ويجمع بينهم في الآخرة : إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً . ( 74 آ ) وسرّ آخر : أنّ الجزاء على العمل لمّا كان مناسبا للعمل مماثلا له بأقصى ما يمكن من المماثلة ، بل الأعمال في الدنيا صادرة عن الأشخاص ، والأشخاص في الآخرة صادرة عن الأعمال ؛ فيخلق من كلّ عمل صدر عن شخص جزاءه إمّا ثوابا وإمّا عقابا ، ويقال : هذه أعمالكم ردّت إليكم ، ثمّ يعين للمحسن عمله وللمسيء عمله ، ويقال للمحسن : هذه صلاتك ، هذا صومك . ويقال للمسيء : هذا شقاقك ، وهذا نفاقك ؛ فيتماثل العمل والجزاء تماثل المثلين ؛ فيماثل التعبير عنهما باللفظ تماثل اللفظين ، إذ سمّي الجزاء على الاستهزاء استهزاء ، والجزاء على العدوان عدوانا ، والجزاء على السيّئة سيّئة ، كما سمّي الجزاء على