محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

166

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وكما أنّ من لم يراجع الطبيب ولم يعالج العلّة زادته العلّة مرضا على مرض ، كذلك من لم يراجع النبيّ لم يتدارك الشكّ باليقين ، والنفاق بالإخلاص ، والعناد بالتسليم ، والرأي والهوى بالاتّباع والتحكيم ، والتكبّر على الأمر بطاعة أولي الأمر ، وطول الأمل بذكر الأجل ، والحرص والبخل والحسد بالقناعة والسخاء والتوكّل ، وحبّ الشهوات الدنيّة الدنياوية بحبّ اللذّات الدينية الأخروية ، زاده اللّه مرضا على مرض ؛ ومن تدارك زاده اللّه يقينا على يقين . قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « إنّ أخوف ما أخاف على أمّتي اتبّاع الهوى وطول الأمل ؛ فأمّا اتبّاع الهوى فيصدّ عن الحقّ وأمّا طول الأمل فينسي الآخرة . » 449 فبيّن أنّ أصل الأدواء والأمراض النفسانية هو اتبّاع الهوى وطول الأمل ، وهو الطبيب المطّلع على أسباب العلل والأمراض ، العارف بمعالجة العقول والنفوس ، وعنده عقاقير الصدور والقلوب ، كما قال أمير المؤمنين عليّ - رضي اللّه عنه - في وصفه - صلوات اللّه عليه - : « طبيب دوّار بطبّه قد أحكم مراهمه وأحمى مواسمه ؛ يضع من ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عمي ، وآذان صمّ وألسنة بكم ، متتبّع بدوائه مواضع الغفلة ( 69 آ ) ، ومواطن الحيرة . » 450 قوله - جلّ وعزّ - : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) اللغة [ و ] التفسير قال أهل اللغة : « إذا » حرف توقيت ، وهي تؤذن بوقوع الفعل المنتظر ، وفيها معنى الجزاء . كأنّك قلت : وحين قيل لهم ؛ ويوم قيل لهم ؛ والكناية عن المنافقين ؛ وموضع « إذا » من الإعراب نصب ؛ لأنّه اسم الوقت ؛ وهو ظرف الزمان ؛ و « قيل » كان في الأصل قول ؛ فنقلت كسرة الواو إلى القاف ؛ فسكنت الواو وانكسر ما قبلها ؛ فصارت ياء . والكسائي يشمّه وأخواته مثل : حيل وسيق بالضمّ ليدلّ على أنه كان في الأصل فعل . والمعنى : وحين قيل للمنافقين أو اليهود : لا تفسدوا في الأرض بالنفاق والكفر ومنع الناس من الإيمان والقرآن وإيراد الشبهة الباطلة على المؤمنين . قال ابن عبّاس : قالوا إنّما نحن مصلحون ، ولم يكونوا مصلحين ، كما قالوا لأصحاب محمّد : إنّا مؤمنون ولم يكونوا