محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
157
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
يرجى إيمانه هو الضالّ ؛ فالتكليف إذا في حقّ النفس الخبيثة الشرّيرة بطباعها فائدته التمييز ، وهو عليه تكليف ما لا يطاق ؛ وفي حقّ النفس الطيّبة الخيّرة بطباعها فائدته التمحيص ، وهو له تكليف ما يطاق ؛ وفي حقّ النفس التي فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها فائدته الترجيح ؛ وهو له تكليف ما يمكن ؛ وعلى كلّ مرتبة من المراتب نصّ من الكتاب ، قال اللّه تعالى : لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ . وهذا في النفوس الخبيثة طباعا ؛ وقال تعالى : وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ؛ وهذا في النفوس الطيبة طباعا ؛ وقال تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها . وقال : فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى . وهذا في النفوس القابلة للأمرين . قوله - جلّ وعزّ - : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) النزول نزلت هذه الآية في المنافقين مثل عبد اللّه بن أبيّ بن سلول الخزرجي ومعتّب بن قشير وجد بن قيس وأصحابهم من اليهود وغيرهم ، حين قالوا : تعالوا إلى حيلة نسلم بها من محمّد وأصحابه ، ونكون مع ذلك متمسّكين بديننا . فأجمعوا على أن أظهروا كلمة الإيمان بألسنتهم ، واعتقدوا خلافها ؛ قال اللّه تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ صدقنا وأقررنا باللّه وباليوم الآخر ، وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ . اللغة ووجه دخول الباء في الكلام أنّ الإيمان معناه الإقرار ، كقول القائل : ما أو من بما تقول ، أي : ما أقرّ ؛ وكذلك ما أومن لك بهذا ، أي : ما أقرّ ؛ وقيل : الإيمان بمعنى ( 65 آ ) التصديق كما قدّمناه ؛ وقد يذكر بمعنى الإقرار ؛ فمعناه صدّقنا اللّه بما أنزل على رسوله ؛ وقد حكينا عن الزجاجي طريقه في دخول الباء في قولك آمنت باللّه ، وأنّ التصديق قول في النفس يتضمّن علما .