محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
158
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وقال ابن عبّاس : كان هؤلاء المنافقون إذا لقوا رسول اللّه والمؤمنين قالوا : آمنّا بالذي آمنتم به ، خوفا على أنفسهم ؛ وإذا لقوا إخوانهم من اليهود قالوا : إنّا معكم إنّما نحن مستهزؤن ؛ فنزلت فيهم هذه الآيات . وقوله : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ دخلت الباء مؤكّدة للنفي ؛ لأنّك إذا قلت : ما زيد أخوك ، لم يقطع السامع أنّ ما للنفي ؛ فإذا قلت : ما زيد بأخيك ، قطع السامع أنّ ما للنفي ؛ قاله الزجّاج . النحو وأمّا من ومن قال الفرّاء : من لابتداء الغاية ، وتكون أيضا بعضا ؛ وتكون صلة ؛ قال أبو عبيدة : العرب تضع من موضع مذ تقول : ما رأيته من سنة ، أي مذ سنة ؛ ويكون من بمعنى البدل . قال اللّه تعالى : وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً يعني بدلكم ؛ وأمّا « من » ، قال الكسائي : قد تكون اسما ، وقد تكون استفهاما ، وقد تكون شرطا ومعرفة ونكرة ؛ وتكون للواحد والاثنين والجمع ومن الجنّ والإنس والملائكة ؛ وهو لكلّ من يعقل ؛ والوجوه كلّها موجودة في القرآن . وأمّا معنى الناس فهو لفظ الجمع لا من الإنسان ؛ والإنسان أصله إنسيان ؛ قال الأزهري : أصله من آنس يؤنس إذا أبصر . فسمّي إنسانا لظهوره للمبصر ؛ وقيل : إنّه من الأنس ، أي يستأنس . قال ابن عبّاس : سمّي بذلك لأنّه عهد إليه فنسي ؛ وهذا النقل خطأ ؛ لأنّ الأصل في الكلمة الهمزة والنون والسين ؛ وهو من باب مهموز الألف ؛ والنسيان من باب المعتلّ الناقص . ثمّ إنّ الإنس والجنّ تقارنا في جميع القرآن ؛ والجنّ من الاجتنان وهو الاستتار ؛ فيجب أن يكون الإنس من الظهور ؛ والأنس والإيناس أقرب من المعنى . النظم ولمّا ذكر خصال المؤمنين وعقّبه بخصال الكافرين ذكر بعده خصال المنافقين ؛ وهذه فرق ثلاث هي الأصول الكبار : المؤمنون والكافرون والمنافقون ؛ فالمؤمنون هم المصدّقون بالقلب والقول والعمل ؛ والكافرون هم المنكرون بالقول والعمل والقلب ؛ والمنافقون هم