محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

156

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وسرّ آخر : أنّ التضادّ والترتّب جاريان في الديانات جريانها في الموجودات ، وأنّ اللّه تعالى لمّا ذكر المؤمنين الأبرار في صدر السورة أعقبه بذكر الكافرين الأشرار ؛ فكما ذكر مراتب خصال المؤمنين وذكر مصدرها أنّه هداية الكتاب الذي لا ريب فيه ، كذلك ذكر معاطب خلال الكافرين والمنافقين وذكر مصدرها أنّه الختم الذي يصدر منه كلّ ريب ؛ فتقابل الفريقان تقابل الحقّ والباطل ، والنور والظلمة ، والخير والشرّ ، والإخبار والإسرار ؛ وكما لا يصير الباطل حقّا ولا تنقلب الظلمة نورا ولا يتبدّل الشرّ خيرا كذلك : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ؛ * وهذا إنّما يكون في نفوس الأشرار التي هي في طباعها أشرار ؛ والتكليف في جانبهم لا ليصيروا من الأبرار ، ولكن ليتميّزوا عن الأبرار ؛ وهذه الطريقة مبنيّة على قاعدة متينة وهي إثبات التضادّ بين النفوس والعقول ؛ فإنّها متباينة بالخير والشرّ ، متنافرة بالعرفان والنكر ، كما قال - صلّى اللّه عليه وآله - : « الأرواح جنود مجنّدة ؛ فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف . 441 » فقد أشار إلى التضادّ والترتّب في الأرواح والنفوس ؛ وأمّا التضادّ فلأجل تعارفها وتناكرها ؛ وأمّا الترتّب فلأجل تجنيدها إلى ملك ووزير ومدبّر للملك ومشير ؛ ومراتب الجنود معلومة وذلك موزون بميزان الحقّ والباطل ، صحيح على وضع الميزان . ثمّ الباطل إذا أبدى صفحته فقد تحقّق الناس منه . ف سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ و سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ ؛ ويحقّ التكليف عليهم بالإنذار والدعوة ليميز اللّه الخبيث من الطيّب بالتكليف ، ويظهر ما كان مستورا بالتعريف ؛ وهذا شرح الحكم المفروغ وبيانه في المستأنف ؛ فإنّ المفروغ إنّما يظهر في المستأنف ؛ والتقدير إنّما يظهر بالتكليف : فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ ( 64 ب ) الْكاذِبِينَ ؛ وعلمه تعالى هذا علم تمييز وإعلام بعد التكليف والافتتان . وكما تحقّق في الناس أخيار وأشرار على الإطلاق كذلك تحقّق فيهم أتباع الأخيار وأتباع الأشرار ؛ وهم على حدّ الإمكان مائلون للكفر والإيمان ؛ فالتكليف في حقّهم لترجيح أحد الطرفين وهو الإيمان على الطرف الثاني وهو الكفران ؛ ولهذا انقسم الكافرون إلى الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ؛ فالشرّير الذي لا يرجى إيمانه هو المغضوب عليه ؛ والذي