محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
155
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
باق والخبر بأنّه : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ حاصل ؛ فكيف وجه الجمع بين الأمر والخبر ؟ ! وبالخبر لم يرتفع التكليف عن المنذر بالإنذار ، وعن المنذر بالقبول ؛ والأشعري ظنّ أنّه لمّا التزم تكليف ما لا يطاق ولم يقل بتقبيح العقل فيه فقد نجا من الزام التناقض عليه ؛ إذ كان تقدير خطاب المكلّف : افعل يا من لا يفعل ؛ وتقدير خطاب النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - أنذر من لا يؤمن قطّ ، ولا يقبل الإنذار قطّ ؛ وأنذر من طبع على قلبه وسمعه ؛ فلا يفهم ولا يسمع ؛ والمعتزلي ظنّ [ أنّه ] لمّا حمل الطبع والختم على الجزاء فقد نجا من تقبيح العقل فيه ؛ وإنّما ينفعه ذلك إذا أخرجه من دار التكليف ؛ فإن كان في دار التكليف والخطاب بالإيمان وقبول الإنذار لم ينقطع عنه لزمه ما لزم الأشعري من التناقض وزيادة تقبيح العقل على موجب مذهبه ؛ فما الخلاص ؟ ولات حين مناص . ومن لم ير الكونين ولم يعرف الحكمين فهو في كلّ مسألة أعور بأيّ عينيه شاء ؛ ومن أخذ العلم من أصله وبصّره بالكونين - أعني كون المفروغ وكون المستأنف - علم أنّ الخطاب بالإنذار حكم المستأنف ، وهو ليس ينقطع في دار التكليف ، وأنّ الخبر عن عدم قبول الإنذار بالختم حكم المفروغ ، وهو ليس يبطل في عالم التقدير ؛ والحكمان من حيث الصورة يتناقضان ، ومن حيث المعنى يتوافقان ؛ وهما كحكم موسى والعالم - عليهما السلام - ، وكحجّتي آدم وموسى في السماء ، والخبر معروف ؛ وكإشارتي المصطفى - صلّى اللّه عليه وآله - في قوله : « اعملوا وكلّ ميسّر لما خلق له » 440 . فقوله - عليه السلام - « اعملوا » إشارة إلى حكم التكليف ، وهو المستأنف ؛ وقوله : « وكل ميسّر لما خلق له » ، إشارة إلى حكم التقدير ، وهو المفروغ . ثمّ إنّه - صلّى اللّه عليه وآله - في امتثال حكم المستأنف كان يبالغ في المداومة على الإنذار آناء الليل والنهار ، حتّى قال سبحانه : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ( 64 آ ) ، لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ؛ وهو - صلّى اللّه عليه وسلّم - في رؤية حكم المفروغ كان يستشعر اليأس منهم ، حتّى قال سبحانه : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ .