محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

146

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

فرض القرآن الردّ إلى المعاد ؛ وإنّ من آمن بما أنزل يجب أن يوقن بالآخرة ؛ فذلك هو النظم في قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ . وسرّ آخر : أنّ الخصال المذكورة أشعرت بترتّب وتفاضل ؛ فالخصلة الأولى هي التقوى ، والخصلة الأخيرة هو الإيقان بالآخرة ، وهو الكمال ؛ وبين التقوى والإيقان مراتب ؛ فالتقوى نزلت منزلة السلالة ، والإيقان بالآخرة نزل منزلة الخلق الآخر ؛ وكما أنّ الجنين في أطوار الخلقة مسلّم لملك الأرحام حتّى يعطيه كمال الاعتدال في المزاج ، ثمّ يرقّيه من درجة الاعتدال إلى درجة النموّ ، ثمّ إلى درجة الحسّ والحركة الاختيارية ، ثمّ إلى درجة التخيّل ، ثمّ إلى درجة قبول النفس الناطقة ، ثمّ إلى درجة قبول العقل ، ثمّ إلى درجة قبول الأمر ، كذلك المخاطب في أطوار التكليف يجب أن يكون مسلّما لشارع الأحكام حتّى يعطيه كمال الاعتدال بالتقوى ، ثمّ يرقّيه من التقوى إلى الإيمان بالغيب وهو النبيّ ، ثمّ إلى إقامة الصلاة وهو الحسّ والحركة ، ثمّ إلى الإنفاق من الزكاة وهو الخيال ، ثمّ إلى الإيمان بالقرآن وهو الناطقة ، ثمّ الإيمان بالكتب السابقة وهو العاقلة ، ثمّ إلى الإيقان بالآخرة وهو الأمر : وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ . فحصلت الخصال الدينية مترتّبة في مراتبها ، مقدّرة على المراتب الخلقية في أطوارها ، وقد قال جعفر بن محمّد الصادق - عليه السلام - : « إنّ اللّه تعالى أسّس دينه على مثال خلقه ليستدلّ بخلقه على دينه وبدينه على وحدانيته . » 436 وسرّ آخر : أنّ اللّه تعالى قرن بين الهدى والفلاح في قوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ ( 59 ب ) وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ليعلم أنّ الفلاح والنجاة بالهدى ، وأنّ الهدى في القرآن ، فهو للمتّقين هدى ، وذلك في كون الشريعة ؛ وللمفلحين الناجين هدى وذلك في كون القيامة ؛ فقرن بين الهدى في الدنيا والفلاح في الآخرة ليعلم أنّ من طلب الهدى والنجاة في غيره ضلّ « 1 » ؛ وذلك ردّ على أهل الكتاب ؛ ولقد كان في زمن النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - من المخالفين والجاحدين فرقتان : الأمّيون من المشركين وأهل الكتاب من اليهود والنصارى ؛ وكان الكتاب المجيد هدى للمؤمنين الموصوفين بالخصال المذكورة وحجّة على الفريقين المذكورين .

--> ( 1 ) . بعد هذه الجملة بياض في الأصل يقرب من سبعة أسطر ، وكتب على الهامش : « كذا كان في نسخة الأصل » .