محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
145
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الشهادة وفيها كلّ الشهادة على كلّ حقّ وخير ؛ وصارت الصلاة مظهرا للشهادة ومستقرّا لها تستقرّ فيها ؛ وصارت الزكاة مظهرا للطهارة ومستقرّا لها تستقرّ فيها ؛ قال اللّه تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى وقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً فقوله : اتَّقُوا اللَّهَ * إشارة إلى الطهارة وقوله : قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً إشارة إلى الشهادة ؛ فجميع الطهارات في التقوى وجميع الشهادات في قول : لا إله إلّا اللّه ، وبهما تصلح الأعمال للقبول ، وبهما تستعدّ الذنوب للمغفرة . ثمّ ذكر سبحانه بعد الطهارة والشهادة ومظاهرهما الإيمان بالكتب كلّها ، والإيقان بالآخرة وأحوالها ؛ إذ كان نزول الكتب مبادئ الديانات ، والآخرة مظاهر الكمالات ؛ فوجب الإيمان بالمبادئ والإيقان بالكمالات . فكانت الآيتان السابقتان مشتملتين على مبدأين ومظهرين مخصوصين ، وكانت الآيتان اللاحقتان مشتملتين على المبادئ كلّها ، والكمالات كلّها ، وقد قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ . وسرّ آخر : أنّ الأمر الأوّل لمّا ظهر بالكلمات القدسية ، وظهرت الكلمات بالقرآن المجيد حتّى أبصروه بأعينهم ، وسمعوه بآذانهم ، وعرفوه بقلوبهم ، وصدّقوه بألسنتهم ؛ ومظهره الأوّل في هذا العالم شخص المصطفى - عليه السلام - أو نفسه أو روعه أو قلبه ؛ وعلى كلّ لفظ نصّ ؛ فكانت المظاهر في كلّ كون منازل القرآن ؛ وذلك معنى الإنزال والتنزيل من غير انتقال بتخيّل ؛ وذلك كالمرايا المتقابلة التي تظهر فيها صور الموجودات ، في أوحى ما يقدّر ، وأسرع ما ينتظر ؛ وهو أيضا معنى الوحي والبعث في الروع ، قال اللّه تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ وهذا مظهر ؛ وقال : بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وهذا مظهر . وقال : وَكَذلِكَ ( 59 آ ) أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ، وهذا مظهر ؛ وقال : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وهذا مظهر ؛ وقال : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى وهذا مظهر ؛ والشخص من حيث هو كلّ مظهر القرآن ، ومن حيث السمع والبصر والفؤاد مظهر القرآن ؛ ومن حيث اللسان والقلم مظهر القرآن ؛ وهذه المظاهر ترجع إلى المصادر لا محالة ، والجزئيات تعود إلى الكلّيات ؛ فيعلم من تنزيل القرآن تأويله ، ويعرف من