محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
129
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وما اشتمل عليه من الغيوب عرف أنّه كتاب من عند اللّه باليقين ؛ فلا يرتاب فيه ؛ وقال المبرّد : لا ريب فيه أنّه هدى للمتّقين أو أنّه ذلك الكتاب الموعود ؛ وقيل : إنّ المعنى : ذلك الكتاب بلا ريب ، ثمّ يبتدئ : فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فيكون الوقف على ريب ؛ وقال آخرون : لا رَيْبَ فِيهِ ظاهره نفي ومعناه نهي ؛ أي لا ترتابوا فيه ، كقوله تعالى : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ؛ وهذا قول عطاء الخراساني ؛ وقال الخليل : لا رَيْبَ فِيهِ أي لا ينبغي لأحد أن يرتاب فيه . فإن قيل : إنّ قوما قد ارتابوا فيه ، والريب لا يكون إلّا في قلب المرتاب ، أمّا الكتاب فليس محلّا للريب . قيل : معناه إنّه حقّ وصدق في نفسه لا ريب فيه ، وإن ارتاب فيه المرتابون ، كما قال الشاعر : ليس في الحقّ يا أمامة ريب * إنّما الريب ما « 1 » يقول الكذوب 426 الأسرار وإن كان الريب في قلب المرتاب أبدا ، إلّا أنّ محلّ الريب غير وموضع الريب غير . فقد يكون الريب في الخبر أو في المخبر عنه على أنّه موضعه ، وهو في قلب المرتاب على أنّه محلّه . ثمّ وجه النظم بين الكلمات من حيث المعنى أنّ « ألم » إشارة إلى أمر مجمل مبهم عند المستمعين عموما ، وهي إشارة إلى أمر مفصّل محكم عند المستمع الخاصّ خصوصا ؛ فحسن الإشارة إليه بقوله « ذلك » مقرونا به كأنّه يشير إلى غائب . ثمّ هاهنا خصوص وعموم في نفي الريب وإثبات الهداية . فكما أنّ الكتاب هدى ( 51 ب ) للناس عموما وإن ضلّ فيه الضالّون ، وهدى للمتّقين خصوصا ، كذلك لا ريب فيه خصوصا ، وإن ارتاب فيه المرتابون . لكنّا ننظر إلى وضعه كيف أنزل ولماذا أنزل ، فأنزل على هيئة لا ينكره المنكرون ، ولا يرتاب فيه المرتابون ، إلّا على عناد وجدال ومراء ؛ وأنزل لأجل الهداية لا لأجل الضلالة وإن ضلّ فيه الضالّون . قال تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ فالإضلال والهداية به ، لكنّ الهداية أولى به ، كما أنّ الخير والشرّ بقضاء اللّه
--> ( 1 ) . في الأصل « فيما » .