محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

130

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وقدره ، لكنّ الخير أولى به . فهو هدى للناس عامّة وهدى للمتّقين خاصّة . وسرّ آخر : أنّ فيه حكمين : حكما مفروغا وحكما مستأنفا . فالحكم المفروغ فيه أنّه كامل ، حقّ وصدق ، مفروغ عنه ، لا ريب فيه ؛ وعالم المفروغ كلّه على نور اليقين الذي لا ريب فيه ؛ وإنّما الريب في عالم المستأنف ، حيث يكون فيه كامل وناقص ، وحقّ وباطل ، وصدق وكذب ، وخير وشرّ . فذلك الكتاب المفروغ لا ريب فيه ؛ وهذا الكتاب المستأنف الذي ظهر به المفروغ ، ونرى الحكم المفروغ فيه أيضا لا ريب فيه . فإن قلت : ذلك بمعنى الإشارة إلى غائب ، فهو الكتاب المفروغ ؛ وإن قلت : ذلك بمعنى الإشارة إلى حاضر ، فهو الكتاب المستأنف . وإنّما المفروغ يرى في المستأنف كما أنّ الروح ترى في القالب ، والمعنى يسمع بالعبارة ، والروحاني يظهر في الجسماني ، والمعقول يدرك في المحسوس . على أنّ المفروغ مفروغ والمستأنف مستأنف ؛ لأنّ الحكمين ينبغي أن يجريا في المفروغ والمستأنف أيضا كما أجريا في سائر الموجودات والأحكام ، وقدّس اللّه تعالى روح من هدانا إلى هذا السرّ اللطيف ! قوله - جلّ وعزّ - : هُدىً « 1 » الأصل في الهداية البيان وضدّها الضلالة . قال اللّه تعالى : وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ومحلّ هدى رفع على أنّه خبر ابتداء محذوف ، أي : هو هدى ؛ والهدى مصدر عند سيبويه ؛ وقيل : إنّما هو اسم أجري مجرى المصدر . قال أبو إسحاق : موضعه نصب من وجهين : أحدهما : على أنّه حال من الكتاب ، وذو الحال الكتاب ، كأنّك قلت : هاديا ، لأنّ « هدى » جاء بعد تمام الكلام . العامل فيه معنى الإشارة في « ذلك » ( 52 آ ) . والثاني : على أنّه حال من الهاء التي في « فيه » ، أي لا ريب فيه هاديا ، والعامل فيه معنى ريب ، أي لا ريب في هدايته ؛ والفرّاء يسمّي الحال هاهنا قطعا . قال الزجّاج : ويجوز أن يكون موضعه رفعا بوجهين : أحدهما : أن يكون خبرا بعد خبر ، أي ذلك الكتاب هدى ، كما يقول : هذا حلو حامض .

--> ( 1 ) . في الأصل : هنا بقيّة الآية والآية التالية إلى قوله ينفقون ؛ واكتفينا هنا بالكلمة المفسّرة .