محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

121

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

من العلم والقدرة والإرادة ، وإليها استناد الإبداع والتكوين ، ولديها أسباب الخلق والإحداث ؛ فوزّعت الحروف التي هي مباني المعاني على الأمر والخلق نصفين ؛ فصار نصفها على اختلاف التراكيب إشارة إلى الأمريات ؛ ولهذا قرنت مظاهرها تارة بالكتاب وآياته ، وتارة بالقرآن وبيّناته ، وتارة بشخص من أشخاص الكمال ومعجزاته ؛ ولهذا حسن إقرانها بذلك وتلك ؛ فإنّ من أطلع خالصته على سرّ من أسراره ، ثمّ رمز إليه بعبارة مجملة ، حسن أن يشير إليه بذلك ، كأنّه يشير إلى غائب ، وذلك وجه النظم بين « ألم » وبين « ذلِكَ الْكِتابُ » وكذلك بين « الر » * وبين « تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ . » * وأمّا النصف الثاني من جملة الحروف وهي : « ب ت ث ج خ د ذ ز ش ض ظ غ ف و » فهي ممّا يتعلّق بالخلقيات وأسبابها ومبادئها ، وقد حصروا المبادئ في ثلاثة على قول أكثر الحكماء ، وهي العقل والنفس والعنصر ؛ وربّما عبّروا عن العنصر بالهيولى ؛ فالنصف الأوّل بعد إتمام الألف وخلفه يدلّ على تلك المبادئ . « الباء » إشارة إلى العقل الأوّل ولها نقطة واحدة تحتها تدلّ على وحدة العقل ، و « التاء » إشارة إلى النفس الثانية للعقل ولها نقطتان فوقها تدلّ على ثنوة النفس ، و « الثاء » إشارة إلى العنصر ، ثالث الثلاثة ، ولها ثلاث نقط فوقها تدلّ على ثلاثية العنصر ( 47 ب ) . فأمّا وحدة العقل فمن فيض الأمر : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ ونور العقل منه : كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ . وأمّا ثنوة النفس فمن فيض الأمر والعقل ؛ فيحصل الازدواج بين العقل والنفس بولاية الأمر ، وحكمهما حكم السماء والأرض في الازدواج ، وحكم المؤدّي والقابل ، والفاعل والمنفعل ، والذكر والأنثى ، والاتّحاد والامتزاج ، قال اللّه تعالى : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ؛ فالقلم واللوح مزدوجان ، والعقل والنفس مزدوجان ، كالسماء والأرض ؛ وأمّا ثلاثية العنصر فمن فيض الأمر والعقل والنفس ، ليحصل مادّة العالم كلّه . و طسم * للصور كلّها ؛ فيكون لها محض القبول والاستعباد لمجاورة النفس ، ويفيض عليها أفضل الأشكال والصور من العقل ، ويختصّ بها أدوم الحركات بالأمر . قال اللّه تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ والعقل والنفس والطبيعة ليست من عبارات الشرع ، وهي من