محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
106
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وسرّ آخر : أنّ العموم والخصوص جاريان في الهداية جريانهما في سائر الألفاظ والمعاني ، وللّه - عزّ وجلّ - هداية عامّة سارية في جميع الموجودات على حسب أوضاعها وطباعها وخصوصا في الحيوانات ؛ فإنّ كلّ حيوان مخصوص بهداية إلى مصالح وجوده وبقائه باستحفاظ نوعه وشخصه ؛ وذلك بالطبع والفطرة دون التعليم والفكرة ؛ وأخصّ منه هداية الإنسان ؛ فإنّه مخصوص بهداية إلى مصالح وجوده وبقائه باستحفاظ نوعه وشخصه واستصلاح « 1 » غير نوعه ؛ وذلك بالتعليم والفكرة ، وأخصّ منه هداية الأنبياء والأولياء - عليهم السلام - ، فإنّهم مخصوصون بهداية إلى مصالح وجودهم وبقائهم باستحفاظ نوعهم وشخصهم واستصلاح غير نوعهم من الإنسان في معاشهم ومعادهم ، وذلك بالوحي والإلهام ؛ وكما صار الإنسان ملكا على أنواع الحيوانات بالهداية الخاصّة له كذلك صار النبيّ - عليه السلام - ملكا على أصناف الإنسان بالهداية الخاصّة به ؛ وكما صارت حركات الإنسان معجزات الحيوان ، أعني حركاته الفكرية والقولية والعملية ، كذلك صارت حركات الأنبياء - عليهم السلام - معجزات الإنسان ، أعني حركاتهم « 2 » الفطرية والوحيية والخلقية ؛ فهم الذين أنعم اللّه - عزّ وجلّ - عليهم بالهداية العلوية القدسية ؛ وصراطهم صراط اللّه ودينهم صبغة اللّه وشريعتهم شرعة اللّه ؛ فمن اقتدى بهم فهو المهتدي إلى الصراط المستقيم ؛ ومن اعتدى عليهم فهو الهاوي إلى سواء الجحيم . وإذا عرفت مراتب العموم والخصوص في الهداية ، اطّلعت على مزلّة أقدام الضالّين فيها ؛ وأنّ الذين قالوا من القدرية إنّ اللّه تعالى قد يهدي المؤمن والكافر بنصب الآيات والأدلّة ، وإنّما يهتدي من نظر فيها واعتبر ، وإنّما ضلّ من نازل واستكبر ، وحملوا عليه قوله تعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ ( 42 آ ) فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فقد ضلّوا إذ حكموا بعموم الهداية دون الخصوص ؛ وأنّ الذين قالوا من الجبرية : إنّ اللّه تعالى قد هدى المؤمن دون الكافر بالتوفيق وخلق الإيمان فمن اهتدى فبهداية اللّه ، ومن ضلّ فإضلال اللّه ، وحملوا عليه قوله - عزّ وجلّ - مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ فقد ضلّوا ؛ إذ حكموا بخصوص الهداية دون العموم .
--> ( 1 ) . س : استحسار . ( 2 ) . س : حركاته .