محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
107
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وأين الفريقان المختصمان من معرفة أسرار القرآن في العموم والخصوص ، والتضادّ والترتّب ، والمفروغ والمستأنف ، وإثبات الكونين وتقرير الحكمين ؟ ! أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها . وسرّ آخر : ظهور المعاني بالكلمات والأسامي أمر معلوم ؛ وذلك هو التفسير ، لكنّ تشخيص الأسامي والمعاني بالأشخاص والأعيان أمر مشكل ؛ وذلك هو التأويل ؛ وكما أنّ رحمة اللّه - عزّ وجلّ - متشخّصة بشخص هو النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - بعينه وشخصه بدليل قوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ كذلك نعمة اللّه - عزّ وجلّ - متشخّصة بشخصه - عليه وآله السلام - بدليل قوله : يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ؛ فالرحمة والنعمة في التنزيل على الإطلاق يعمّان الموجودات عموم الوجود والكرم في وجودها وبقائها ودفع الآفات عنها ؛ وهما في التأويل على التعيين يخصّان شخصا أو شخصين خصوص اللطف والقربة في أحوال وجودهما وبقاء نوعهما ودفع الآفات عنهما . وكما أنّ الحمد والملك موضوعان للثناء والمجد لغة وتنزيلا ، كذلك هما موضوعان على شخصين معيّنين معنى وتأويلا . فرحمة اللّه رجل من الرجال ، ونعمة اللّه شخص على الكمال ، والحمد للّه حامد له على كلّ حال ، والملك للّه ملك شديد المحال . وفي القرآن : لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وفيه : 407 « له الحمد وله الملك » ؛ واللام قد تكون لام التمليك وقد تكون لام التخصيص ، وعلى هذا المنهاج : الصراط في التنزيل طريق مستقيم ، وفي التأويل شخص مستقيم . قوله - عزّ وجلّ - : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ النحو [ والقراءة ] قال أهل النحو في انخفاض « غير » أربعة أوجه : أحدها لأنّه بدل عن « الذين » ؛ والثاني لأنّه نعت « الذين » ؛ والثالث لأنّه بدل أو صفة لضمير « عليهم » ؛ والرابع أنّه على نيّة تكرير « الصراط » .