محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

65

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

السلف في الاستواء على العرش : الاستواء معلوم ، والكيفية مجهولة ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة . وإنّما وقع لهم هذا التحيّر لأنّهم لم يأتوا العلم من بابه ، ولم يتعلّقوا بذيل أسبابه ، فانغلق عليهم الباب ، وتقطّعت بهم الأسباب ، وذهبت بهم المذاهب حيارى ضالّين ؛ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا « 1 » وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ؛ وآيات اللّه أولياؤه ، كما قال تعالى : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وقد قال - عزّ من قائل - : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ؛ ولا كلّ مستنبط مصيب وإلّا لبطل فائدة « منهم » و « منهم » . وأذكر الخبر عن النبيّ - صلّى الله عليه وآله - : « عليّ منّي وأنا منه » 306 وقال حين نزلت سورة براءة : « يبلّغها رجل منك . » 307 وعن عبد اللّه بن مسعود - رضي الله عنه - : « إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف ، ما منها حرف إلّا له ظهر وبطن ، فإنّ عليّا عنده منه علم الظاهر والباطن . » 308 وقد قال عليّ - رضي الله عنه - « واللّه ما نزلت آية إلّا وقد علمت فيم أنزلت وأين أنزلت ، إنّ ربّي وهب لي قلبا عقولا ، ولسانا سؤولا . » 309 وروي أنّ سدير الصيرفي سأل جعفر بن محمّد الصادق - عليه السلام - فقال : جعلت فداك ، إنّ شيعتكم اختلفت فيكم ، فأكثرت حتّى قال بعضهم : إنّ الإمام ينكت في أذنه ، وقال آخرون : يوحى إليه ، وقال آخرون : يقذف في قلبه ، وقال آخرون : يرى في منامه ، وقال آخرون : إنّما يفتي بكتب آبائه ؛ فبأيّ جوابهم آخذ جعلني اللّه فداك ؟ قال : « لا تأخذ بشيء ممّا يقولون يا سدير ، نحن حجّة اللّه وأمناؤه على خلقه ، حلالنا من كتاب اللّه ، وحرامنا منه . » 310 وروي 311 أنّ الفيض « 2 » بن المختار دخل على جعفر بن محمّد - عليه السلام - فقال : جعلت فداك ، ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتك ؟ ! فإنّي ربّما أجلس في حلقتهم بالكوفة فأكاد أن أشكّ ، فأرجع إلى المفضّل فأجد عنده ما أسكن إليه . فقال أبو عبد اللّه : ( 26 آ ) « أجل إنّ الناس أغروا بالكذب علينا حتّى كأنّ اللّه - عزّ وجلّ - فرضه عليهم ، لا يريد منهم غيره ، وإنّي

--> ( 1 ) . س : بآيات اللّه . ( 2 ) . س : عيض .