محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

55

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

المفروغ حكم المستأنف ، ولا يبطل حكم المستأنف حكم المفروغ ؛ ولذلك أحال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - نظرهما إلى ذلك الملك ؛ ولمّا عاودوه على إقامة الحجّة بعد الحكم : إن كان الأمر قد فرغ منه ففيم العمل إذا ؟ ! قال : « اعلموا وكلّ ميسّر لما خلق له » ؛ فقد أفتى بالحكمين . فإنّ قوله « اعلموا » ، إشارة إلى حكم المستأنف ؛ وقوله : « وكلّ ميسّر لما خلق له » إشارة إلى حكم المفروغ . وأنت إذا لاحظت الخلقيات وجدتها على قسمين : أحدهما : موجودات حاصلة بالفعل ، كاملة في الذات ، منزّهة عن المادّة والزمان والمكان ، كالقدسيات من الملائكة والمقرّبين من الروحانيات . والثاني : موجودات حاصلة بالقوّة متوجّهة إلى الكمال ، مخلوقة من مادّة وفي زمان ومكان . كذلك إذا لا حظت الأمريات وجدتها على قسمين : أحدهما : أحكام مفروغة قد تمّت وكلمات تامّة قد كملت ، كما قال تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ « 1 » رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ . والثاني : أحكام مستأنفة قد توجّهت إلى التمام والكمال . فمن حكم المفروغ قيل « 2 » : « جرى القلم بما هو كائن » 295 ، وقيل : « فرغ ربّكم من « 3 » الخلق والرزق والأجل » 296 . وصدق الخبر : « السعيد من سعد في بطن أمّه ، والشّقيّ من شقي في بطن أمّه » 297 ؛ ودلّت عليه آيات الختم 298 والطبع 299 والإقفال 300 وحملت عليه آيات اليأس من إيمان الكفّار : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ [ أَمْ ] لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، * ( 22 آ ) سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا « 4 » بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً إلى أمثال ذلك . ومن حكم المستأنف « جرى قلم التكليف بما سيكون » وتوجّه الخطاب إلى « 5 » المختارين بفعل الخير ، واعتقاد الحقّ ، وقول الصدق ؛ وتقدّر الجزاء على الأفعال خيرها

--> ( 1 ) . س : كلمات . ( 2 ) . س : قبل . ( 3 ) . س : عن . ( 4 ) . س : لم تؤمنوا . ( 5 ) . س : على .